11:54 ص

الترفيه . مفهومه وضوابطه


الحديث عن الترفيه حديث شائق، ولهذا أضع بين يديك هذه المادة حول الترفيه، وتتكون من العناصر التالية :
* مفهوم الترفيه أو الترويح .
* الترفيه في الإسلام .
* ضوابط الترفيه .


التعريف:
تدور مادة ( رَوَحَ ) في اللغة حول معاني: السعة، الفسحة، الانبساط، إزالة التعب والمشقة، ورجوع النشاط إلى الإنسان، وإدخال السرور على النفس، الانتقال من حال إلى حال آخر أكثر تشويقاً منه ونحو ذلك. وتتعدد تعريفات المختصين للترويح وتتباين باختلاف نظرة من يقوم بتعريفه،
ومن هذه التعريفات أن الترويح هو: 
-  إعادة إنعاش الروح وإحياء القوة بعد التعب.
-  إدخال السرور على النفس.
-  نشاط ذو فائدة ما، يمارس اختيارياً أثناء وقت الفراغ بدافع ذاتي من الرضى الشخصي الذي ينتج عنه.
-  النشاط الذي يختاره الفرد ليمارسه في وقت فراغه.
-  مزاولة أي نشاط في وقت الفراغ بهدف إدخال السرور على النفس دون انتظار أي مكافأة.

الترفيه في الإسلام:
يمكن أن نصف الترفيه والترويح الإسلامي بأنه : أوجه النشاط غير الضارة التي يمكن أن يقوم بها الفرد أو الجماعة في أوقات الفراغ بغرض تحقيق التوازن، أو الاسترخاء وإدخال السرور والتنفيس عن النفس الإنسانية وتجديد همتها ونشاطها في ضوء القيم والمبادىء الإسلامية.
فهو نشاط هادف وممتع للإنسان يمارسه اختيارياً وبرغبة ذاتية وبوسائل وأشكال عديدة مباحة شرعاً.
والأصل أن كل ما يدخل السرور على نفس الإنسان المسلم وعلى أسرته مباح، إلا ما ثبت في الشرع تحريمه، فالشرع المطهر أبان عن أهمية أن يروّح الإنسان عن نفسه، ويغير شيئًا من الجد الصارم الذي يقتضيه نظام الحياة المعاصر، ومن خلال هذا الترفيه تسكن النفس وتطمئن وتهدأ.
وفي السنة النبوية عن عائشة رضي الله عنها قالت :" والله لقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو "رواه البخاري (5190) ومسلم (892) ، وفي رواية المسند ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :" لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وإني أرسلت بالحنيفية السمحة".
ومن السنة كذلك، قول سلمان لأبي الدرداء :" إن لنفسك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فاعط كل ذي حق حقه " فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "صدق سلمان" رواه البخاري (1968) والترمذي (2413).
قال ابن مفلح ، قال في الفنون قال بعض المحققين –يعني نفسه- : ما أدري ما أقول في هؤلاء المتشدقين في شريعة بما لا يقتضيه شرع و لا عقل ، يقبّحون أكثر المباحات و يبجّلون تاركها ، حتى تارك التأهل و النكاح ، و العبرة في العقل و الشرع ،  إعطاء العقل حقه من التدبر و التفكر و الاستدلال و النظر و الوقار و التمسك و الإعداد للعواقب ، و كان عليه السلام يلاعب الحسن و الحسين و يداعبهما ،  و سابق عائشة ، و يداري زوجاته ، (إلى أن قال): و العاقل إذا خلا بزوجاته و إمائه ، ترك العقل في زاوية ، و داعب و مازح و هازل ليعطي الزوجة و النفس حقهما ، و إن خلا بأطفاله خرج في صورة طفل. هو لا يقصد أنه يصبح مجنوناً ، لكن يقصد الآن يترك الجد الذي كان عليه ، و يصبح في حالة تناسب حالة الزوجة و حالة الأطفال.
والترويح عن النفوس مطلوب ، لأن القلوب تَكلّ ، وإذا كلّت عَمِيَتْ . والترويح عن النفس مطلب.

ومما يدل على ذلك جملة من الأحدايث منها :
o لَقِيَ أبو بكرٍ رضي الله عنه حنظلةَ الأُسيدي فقال لـه : كيف أنت يا حنظلة ؟ قال حنظلة : قلت : نافق حنظلة .قال : سبحان الله ! ما تقول ؟ قال قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأى عين ، فإذا خرجنا من عندِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسْنا الأزواجَ والأولادَ والضّيعاتِ فنسينا كثيرا . قال أبو بكر : فوالله إنا لنلقى مثل هذا . قال حنظلة : فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلتُ : نافق حنظلة يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قال حنظلة قلت : يا رسول الله نكون عندك تذكرُنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأى عين ،فإذا خرجنا من عندك عافسْنا الأزواجَ والأولادَ والضيعاتِ . نسينا كثيرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي ، وفي الذِّكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم ، وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعة . ثلاث مرات . رواه مسلم .

o وفي رواية لمسلم: فقال : يا حنظلة ساعةً وساعةً ، ولو كانت تكون قلوبُكم كما تكونُ عند الذِّكر ، لصافحتكم الملائكةُ حتى تُسلِّم عليكم في الطُّرُق .

o وفي الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن الرسول قال: " صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً"، وفي رواية مسلم: " يا عبدالله بن عمرو: إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونهكت، لا صام من صام الأبد".

o ما روي عن أنس بن مالك عند أبي داود أن النبي قال له: { يا ذا الأذنين } يعني يمازحه.

o ما في الصحيح عن محمود بن ربيع أنه قال: إني لأعقل مجة مجها رسول الله في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو.

o ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي في سفر قالت: ( فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم، سابقته فسبقني ) فقال: " هذه بتلك"  رواه أبو داود .

o ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( والله لقد رأيت رسول الله ، يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ، سترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو).

o في الحديث أن عبدالله بن الحارث - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يصف عبدالله وعبيدالله وكثيراً من بني العباس، ثم يقول: "من سبق إلي فله كذا وكذا" قال: فيتسابقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم.

o وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينظم السباق بين الخيل كما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما.

o كما صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة.

ومن الآثار :
o ما يروى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - -أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان.

o ما يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "أريحوا القلوب فإن القلب إذا أكره عمي"

o ورياضة رمي السهام كانت أكثر الألعاب التي مارسها شباب الصحابة وشيوخهم، وحثو على تعلمها، ولقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم  هذه الرياضة وحث على تعلمها.

o والسباحة نوع من أنواع الممارسات الترويحية، وورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه قال: "كل شيء ليس من ذكر فهو لغو ولهو وسهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الفرضين وتأديبه فرسه وملاعبة أهله وتعلم السباحة".

o قال علي رضي الله عنه : أجموا هذه القلوب ، والتمسوا لها طرائف الحكمة ، فإنها تمل كما تمل الأبدان .

o وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : أريحوا القلوب ، فإن القلب إذا كره عمي .

o وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال : لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محزنين ولا متماوتين ، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم ، فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه دارت حماليق عينيه .

o وكان الزهري يقول لأصحابه : هاتوا من أشعاركم ، هاتوا من حديثكم ، فإن الأذن مجة ، والقلب حمض .

o قال أبو الدرداء :إني لأستجم لقلبي بشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق.

o قال بكر بن عبد الله المزني عن الصحابة: " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" (رواه البخاري في الأدب المفرد) وصححه الألباني.

ضوابط الترفيه في الإسلام :
الإسلام نظام متكامل - عقيدة وشريعة - لا بد أن تنبثق عنه جميع تصورات ومبادىء وقيم وسلوكيات المسلم، فموضوع الترويح لا بد أن ننظر إليه من خلال الخصائص التي أعطاها له الإسلام، ومنها أنه "عبودية لله" : فهو لله في حال إصلاح العبد لنيته وممارسته بشروط حلِّه، وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال: ( إني لأستجم قلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق )، ومنها أنه " ثابت المعالم متجدد الوسائل": فلا بد فيه من عدم تجاوز جوانب يوجب الإسلام تركها - لحرمتها أو ضررها - فينضبط بضوابط الإسلام ويحتكم بأحكامه، وما سوى ذلك فللإنسان أن يبدع ويجدد فيه ماشاء من كيفيات ووسائل. وهو يراعي طبيعة الفطرة الإنسانية: فنجد أنواع الترويح المشروع شاملة لجميع حاجات ودوافع الإنسان التي تتطلبها جوانبه المختلفة ( الروح، العقل، الجسد ) مما يدل على أن من خصائصه العموم والشمول ومراعاة الفطرة.

ومن الملاحظات المهمة في الترفيه :
o خلوه من المخالفات الشرعية، أو الإفضاء إليها .
o أهميةُ البُعدِ التعبدي: لأن الترويحَ والاستجمامَ عبادةٌ إذا أُريدَ منهما حملُ النفسِ والآخرين على الطاعاتِ والجدية أو نقل المستفيد من الضلالة إلى الهدى.
o العنايةُ بالجانب التربوي : بأن تكونُ برامجنا ذاتَ رسالةٍ تربويةٍ عامة لكلِّ مَنْ يشارك فيها.
o إشباع حاجات المشاركين والمشاهدين للبرامج الترفيهية واستغناؤهم عن البرامج المحرَّمة.
o التدريبُ وتخريج القادة والمخططين للبرامج الترفيهية واكتشاف المواهب والقدرات.
o الاحترافيةُ في العمل والأداءِ والفوزُ بشريحةٍ كبيرة ومتنوعةٍ من السوق.
o التركيزُ على فئاتٍ معينة والتخصصُ بشؤونها الترفيهية.

وإذا ما استثنينا مجال المحرمات فإنه يعلم أن مجالات الترفيه المحلل أكثر بكثير من المحرم، وإن من تعاسة الإنسان وشقائه أن يرفه عن نفسه بالحرام مع توفر الحلال.

الترفيه جزء أساسي من حياة المواطن العربي، لا سيما مع الارتفاع النسبي للمستوى الاقتصادي والتعليمي في المنطقة خلال العقود الأربعة المنصرمة، ورغم هذه الأهمية فلم تلق صناعة الترفيه الاهتمام الكافي من المستثمرين العرب، سواء على مستوى حجم الاستثمارات أو حتى على مستوى الابتكار الذي تتطلبه هذه الصناعة.

ورغم أن المكون الثقافي العربي والإسلامي يلعب دورا مهما في تشكيل احتياجات الترفيه في المنطقة العربية فإن ثمة إصرارا من قبل المستثمرين في هذه الصناعة على التقليد لما هو موجود في الدول الغربية.
إن صناعة الترفيه في العالم العربي تستحق الاهتمام على مستوى فهم مكوناتها وأبعادها الحالية حتى يمكن طرح ما هو مناسب لبيئتنا العربية والإسلامية، وهو ما ستحاول أن تفعله السطورالقادمة.

الفراغ وقود الترفيه :
لا يمكن لأي صناعة ترفيه أن تقوم ما لم يكن لدى الإنسان وقت فراغ يسعى للاستمتاع به. ومع انتشار التكنولوجيا فقد وفرت الآلات الحديثة وقتا للإنسان، فأصبح هناك ساعات فراغ لدى الأفراد، ففي دراسة أجريت على أربع دول عربية هي: الإمارات، وتونس، والسودان وموريتانيا، وجدت أن وقت الفراغ للشباب في أيام الدارسة من 3 إلى 4 ساعات يوميا، وفي الإجازات 9 ساعات يوميا.
ومن هنا جاء التفكير في استثمار أوقات الأفراد بشكل مفيد يجلب لهم المتعة والمنفعة؛ وهو ما دفع الدول العربية للعمل على توطين استثماراتها في مجال الترفيه.. لكن ما هي أصلا مكونات صناعة الترفيه؟.

ما هي صناعة الترفيه؟
تعرف صناعة الترفيه على أساس أنها قد تكون في مجالات السينما، المسرح، الملاهي، الألعاب المختلفة، إلا أن البعض الآخر يعرفها على أنها تلك الصناعة التي تشتمل على كل ما هو جديد، والذي يمكن أن يذكر منه على سبيل المثال لا الحصر: اقتناء الأثريات والطوابع والعملات، وقد يكون مجالها صناعة الأناشيد والسينما والمسرح، والسياحة والصوتيات، وتربية الطيور النادرة، والاهتمام بأنواع معينة من الرياضات مثل تسلق جبال الجليد، وصناعات أخرى مثل الرسم على الزجاج، والألعاب النارية.

والمتأمل لموسوعة جينيس للأرقام القياسية يعرف مدى التنوع الذي تعيشه صناعة الترفيه على مستوى العالم، إلا أن دخول عنصر المعرفة في تلك الصناعة أضفى عليها صفة العلمية وضرورة هيكلة أدواتها في أسلوب علمي وعملي في نفس الوقت لتتحول من مجرد وقت ضائع إلى صناعة لها استثماراتها وأصولها لتعد من أهم الصناعات التي يعتمد عليها الاقتصاد القومي للعديد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكي نتخيل حجم ما ينفق على صناعة الترفيه، فتشير بعض الإحصائيات إلى أن شركات صناعة الترفيه في العالم تنفق فقط سنويا 47 مليار دولار على إنتاج البرامج والأفلام والكارتون الهادف إلى التسلية والإمتاع، وتشير بعض الإحصائيات إلى أنه في عام 2001 أنفق على ألعاب الكمبيوتر في أمريكا فقط 6.35 بلايين دولار، بارتفاع 8% عن عام 2000. وبيع من أجهزة الألعاب 225 مليون جهاز.

واقع صناعة الترفيه عربيا :
على الصعيد العربي، قدرت إحدى الدراسات أن صناعة الترفيه (سينما وأغانٍ وألعاب وملاهٍ) تجاوزت الـ10مليارات من الدولارات في المنطقة العربية في عام 2002، وهو رقم قد يتضاعف اليوم مرات عدة إذا أضفنا له بند السياحة. فالسياح العرب ينفقون أكثر من 25 مليار دولار سنويّا في الغرب في مراكز الترفيه.

وعلى الرغم من هذا الإنفاق الهائل على الترفيه في العالم العربي، فإن الاستثمار في صناعة الترفيه في العالم العربي يعاني من قصور شديد سواء في المضمون أو الحجم، فعلى سبيل المثال تؤكد دراسات ميدانية جرت على ما تعرضه السينما وبرامج التليفزيون في العالم العربي أن الجنس والترفيه هما القاسم المشترك لمعظم مضامين هذه القطاعات من الترفيه.

وفي مجال صناعة الترفيه للأطفال بلغت مبيعات شركة والت ديزني السنوية أكثر من أربعة بلايين دولار، ويعمل لديها 40 ألف عامل ويتبعها 24 شركة في العالم، في الوقت الذي لا يوجد لدينا نحن العرب مثل هذا الاهتمام بالترفيه الجاد ووسائل التسلية على الأقل عند الأطفال. كما نجد أن مجلات الأطفال في العالم العربي مع ضعف مضمونها الترفيهي في حالات كثيرة لا يقارن عددها بما هو موجود في أمريكا والدول الأوربية، حيث إن عدد مجلات الأطفال المتخصصة في العالم العربي إلى 30 مجلة فقط بينما وصلت في إنجلترا إلى 125 مجلة.

ومن الطريف أن تعداد أطفال إنجلترا لا يتعدى نصف تعداد أطفال دولة عربية مثل مصر..!! ومن الأمثلة السابق الإشارة إليها نجد أن العالم العربي يعاني من قصور شديد في المضمون والحجم في صناعة الترفيه.

نموذج دبي :
وعلى المستوى القطري لصناعة الترفيه في الدول العربية، فقد نجحت بعض الدول في جذب الانتباه إليها في مجال الترفيه وعلى رأسها مدينة دبي بالإمارات العربية المتحدة، حيث توقعت مصادر صناعة السياحة بمدينة دبي استقبال 15 مليون زائر عام 2010 بعد قيامها باستثمار 55 مليون دولار في تطوير المنتزهات وأماكن الألعاب والترفيه بها.
وقد اتخذت دبي من صناعة الترفيه وسيلة مهمة لجذب المزيد من السياح؛ وبالتالي المزيد من العملات الأجنبية التي تساهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالدولة، حيث ابتكرت دبي أفكارا تسويقية وترويجية تحقق لها منافع اقتصادية، وتروج لاسمها خارجيّا بوصفها مركزا للتجارة والأعمال في المنطقة؛ حيث استحدثت في عام 1996 فكرة مهرجانات التسوق التي تستهدف إحداث حركة في الأسواق وإنعاش القطاع السياحي.
ونجح مهرجان دبي للتسوق الذي يقام سنويّا في شهر مارس في جذب أكثر من مليوني زائر لدبي، وتحقيق مبيعات تقدر بحوالي 4.5 مليارات درهم (الدولار = 3.5 دراهم تقريبا)، وحفز هذا النجاح دولا أخرى في المنطقة في نقل الفكرة فقد نظمت القاهرة وبيروت والكويت مهرجانات للتسوق، كما تنظم دبي أيضا مهرجانا آخر في الصيف لمدة شهرين ونصف بهدف تحفيز الإماراتيين والوافدين على البقاء داخل البلاد بعدما اعتادوا في السابق الهروب من حرّ الصيف. أيضا هناك حملة شهر العطاء التي تقام خلال شهر رمضان، وتختلف عن مهرجانات التسوق في أن 20% من جوائزها (14.5 مليون درهم) ترصد للجمعيات الخيرية في الدولة لتشجيعها على الاستمرار في تقديم مساعداتها للمحتاجين في الداخل والخارج.
وغير خاف حجم المخالفات الشرعية التي نتجت عن هذا العناية الكبرى بالترفيه وتحقيق الإيرادات على حساب القيم والأخلاق والدين.

قصور.. وتقليد
تعاني صناعة الترفيه في العالم العربي من قصور واضح على مستوى الصانع والمتلقي على حد سواء.
 إذ تسيطر صناعات الترفيه الغربية على كل ما هو جديد في تلك الصناعة، ومعظم الدول العربية تقوم بدور "المتلقي" لمضامين الترفيه الساذج والتي أثرت بالسلب على المؤسسات التربوية والإعلامية؛ الأمر الذي أدى إلى تدهور الضمير والعقل المسلم من المظاهر السلبية القاتلة لوسائل الترفيه.
خاصة أن الربح المادي كان هو الهدف الأبرز وراء إنشاء معظم وسائل الإعلام وبالذات السينما التي نشأت نشأة خاصة يديرها ويمتلكها أفراد هدفهم الأول هو الربح وتحقيق أعلى نسبة من المشاهدة والمبيعات، فقد عمدت الشركات المالكة إلى التركيز على هذا اللون من المضامين الضعيفة.
بلغت الرواتب التي تعطى للعاملين في مجال الترفيه في أمريكا في عام 1999 ، أكثر من 40 بليون دولار. هؤلاء الناس يريدون الدنيا ، رواتب العاملين في قطاع الترفيه تزيد على 40 بليون دولار سنوياً. عدد الموظفين في قطاع الترفيه 1.5 شخص ، أما العاملين من غير الموظفين فقد تجاوزا المليون ، يتقاضون 16 بليون دولار سنويا ، و هكذا فإن حجم الصناعة  في أمريكا اليوم 60 بليون من الدولارات رواتب و نفقات و هكذا من الأشخاص الذين تجاوزوا  الثلاثة ملايين.

لا ينكر عاقل أن للإنسان ميولا واتجاهات خاصة به، يشكل تنوعها، الثقافة والخبرات المجتمعية، إلى جانب الطبيعة الجسدية والنفسية للإنسان كفرد، عندها تصبح ميوله واتجاهاته جزءاً من شخصيته وبنائه الاجتماعي والنفسي.
و هناك جزء لا يستهان به من هذه الميول والاتجاهات يتسم بالطابع الترفيهي (اللعب، ومراقبة اللعب)، حيث يقف هذا الجزء الترفيهي إلى جانب ميول الإنسان في عمله واختياراته المهنية والثقافية – يقف – في اللحظات المناسبة كداعم للفرد في تفريغ انفعالاته، وتخليصه من هموم وضغوط العمل، مما يدفع باتجاه مزيد من العطاء وحسن الأداء وفق معادلة العلاقة العكسية بين الهم والعطاء.

حاجة النفس إلى الترفيه : 
إن المواظبة والحزم والجد في كل حال شاق على النفس وتورث الملل والضيق ، ذلك أن النفس مجبولة على المراوحة بين الأشياء فهي تنتقل من عمل إلى آخر ، ومن قول إلى قول، وتختلف فيما بين الجد والفكاهة ، وتجد راحتها في عمل ما ترغب في القيام به ، ولا تكاد تتقنه حتى تمله وتبحث عن عمل آخر .
إذاً فالقلوب تحتاج إلى شيء من الراحة . والنفوس تحتاج إلى شيء من الاستجمام

أهمية الترفيه:
تبرز أهمية التفيه والترويح عن النفس في جوانب كثيرة منها:
o تحقيق التوازن بين متطلبات الكائن البشري ( روحية - عقلية - بدنية ) ففي الوقت الذي تكون فيه الغلبة لجانب من جوانب الإنسان، يأتي الترويح ليحقق التوازن بين ذلك الجانب الغالب وبقية الجوانب الأخرى المتغلب عليها.
o يساهم النشاط الترويحي في إكساب الفرد خبرات ومهارات وأنماط معرفية، كما يساهم في تنمية التذوق والموهبة ويهيء للإبداع والإبتكار.
o يساعد الإشتغال بالأنشطة الترويحية في إبعاد أفراد المجتمع عن التفكير أو الوقوع في الجريمة، وبخاصة في عصرنا الذي ظهرت فيه البطالة حتى أصبحت مشكلة، وقلت فيه ساعات العمل والدراسة بشكل ملحوظ وأصبح وقت الفراغ أحد سمات هذا العصر.
o الترويح ينقذ الإنسان من الملل والضجر وضيق الصدر، وما إلى ذلك من الإحساسات الأليمة التي يسببها في العادة عند بعض الناس خلوهم من الأعمال الجدية.
o ينسي الإنسان ما لديه من آلام نفسية أو حسية، أو يخفف من وطأتها.

القنوات الترفيهية الحالية
تظهر القنوات الترفيهية في الإعلام العربي محدثة خلطاً كبيراً ما بين الترفيه البريء والترفيه المبتذل الرخيص..
* فقنوات الأغاني العربية تبثّ(الفيديو كليبات) طوال الأربعة وعشرين ساعة من غير توقفّ للحظة واحدة إلاّ لعرض الإعلانات التي تصبّ في نفس القناة وهي نغمات الموبايل و خدمة الأغاني و صور الفنّانين على الجوال..
* كما غدت هذه القنوات ميداناً واسعاً للرقص و الهرج و الاستعراض المبتذل، عدا  قنوات الأفلام العربية التي أصابت المشاهدين بالحيرة والدهشة من إعلانها المتواصل عن عزمها عرض أفلام لم تعرض من قبل ولم تمرّ على مقصّ الرقابة...
* ومن قنوات الترفيه هذه أطلت علينا برامج (تلفزيون الواقع) الذي يعتمد تسليط كاميرا لمدّة أربعة وعشرين ساعة على مجموعة من الشباب والبنات الذين قدموا من بلدانهم لكي تلتقط لهم الكاميرا مشاهد الأكل والنوم والرقص و البكاء و الفرح وكل تفاصيل حياتهم اليوميّة التي لاتعطي المشاهد العربي أية فائدة سوى إدراك مدى الانحطاط الذي أصاب الأمة...
* ولا تلبث تلك القنوات العربية أن تقع في مصيدة التقليد الأعمى للقنوات الأخرى من غير محاولة ابتكار الجديد.. فمنذ أن انطلق برنامج (من سيربح المليون) والمشاهد العربي يعاني من أزمة تلبّك معوي من كثرة برامج المسابقات ..

كما  تبنّت هذه القنوات في السنوات الأخيرة مبدأ (تعريب البرامج) بشراء حقوقها من نسخة أجنبية و تغيير شخصياتها إلى عرب.. ومنها برامج تلفزيون الواقع كبرنامج (ستار أكاديمي) و (سوبر ستار) و (من سيربح المليون)و (حياة المتسابقات على لقب ملكة جمال الكون)، فهذه القنوات عند تعريبها و حتى مجرّد نقلها لهذه البرامج ولو بلغتها الأصليّة تتناسى أنّها ما هي إلاّ معول هدم لأي لبنة مبادئ أو أخلاق لدى الجيل الناشئ.. كما أنّها إشارة واضحة على عجز الإعلام العربي عن بناء نجاحه الشخصي في البرامج و لجوءه إلى بناء نجاحه على أكتاف برامج عالمية معروفة..

فلدينا – في الواقع - المئات من القنوات (الترفيهية) التي تقدم لنا برامج غربية بنسخة عربية لاتخلو من التفاهة.

ويجد المشاهد أن إثارة الغرائز والإسفاف الأخلاقي والتسطيح الفكري قد انتشرت بشكل وبائي في العديد منها فاختلط مسمى "الترفيه" بـ"فنون الإغراء والرقص"وأصبحت ظاهرة "هز الوسط وما حوله"!! الشغل الشاغل لذلك النوع من القنوات، والهدف المنشود لجذب أكبر عدد من المشاهدين.

وقد نشر في مؤتمر "الإعلام المعاصر والهوية الوطنية" الذي عقد بالقاهرة عام 2000م دراسة لتحليل (364) أغنية عُرضت في عدد من أشهر القنوات الفضائية العربية أوضحت (أو فضحت!!) أن نسبة اللقطات المثيرة (جنسيا) ظهرت في 77% من تلك العينة، و أن عينة الأغاني تعكس البيئة الغربية بنسبة 70%.
لهذا كان من الأهمية بمكان حماية الجيل من هذه الثقافة من خلال تكوين مبادرات لإنشاء قناة (أو عدة قنوات) إسلامية ذات مستوى عالٍ من التخطيط والمهنية والجاذبية تحقق الترفيه والمتعة والسرور في جو من المحافظة والعفة، وعلى رجال الأعمال في هذا البلد الكريم دور مهم في مواجهة هذه الكارثة، وذلك من خلال توجيه جزء من دعمهم ليخصص في تطوير (أو إنشاء) تلك القنوات  البديلة ذات المهنية العالية.

من المصادر :