1:32 م

نظام حماية الوحدة الوطنية .. بين الأكثرية والأقلية


يكثر الحديث حاليا عن الوحدة الوطنية، ويطرح البعض مسودة نظام يحميها ..
ومامن شك بأن العناية بوحدة الصف وتحقيق الوئام وإبعاد مسببات الاحتراب الداخلي يجب أن تكون أحد أهم أولويات العمل السياسي والاجتماعي والشرعي.
 ذلك أن التاريخ يثبت دوما بأن ذلكم الاحتراب والاقتتال الداخلي هو أحد اعظم المخاطر التي تتهدد اي دولة، ونتائجه كارثية دوما.
وبغض النظر عن مفردات وحيثيات النظام الذي تم رفضه في مجلس الشورى ومبرراته وهدف المتحمسين له أو ضده، فإن ثمة مسألة مهمة فيما يتعلق بـ التواجد الشيعي في المجتمعات المسلمة السنية وتداعياته، مما يوجب النظر في أصل المسألة ومن ثم مايترتب عليها من مبدأ "احترام الآخر" والحدود المنطقية لنظام كهذا.
فإن التشيع المعاصر الذي هو نسخة مشوهة من التشيع الأول للصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه إبان افتراق الناس الى شيعة لعلي وشيعة لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين.
باعتبار "شيعة المرء" أنصاره ومحبوه، وهو -أي التشيع الأول - أمر مقبول وضمن نطاق الاختلاف الطبيعي، وهو أشبه بالانتماءات السياسية لهذا الحزب أو ذاك ضمن نطاق مفاهيم مشتركة موحدة، ومرجعية فكرية واحدة.

لكن التشيع بعد ذلك الزمان الأول تغير وتبدل و سلك مسارات من الغلو والتطرف والانحراف جعلته ينبذ أصول الدين ومصادره ويستبدلها بأصول أخرى من لدنه، ولم يعد له من ذلك التشيع الا اسمه.

وبات التشيع اليوم  قائما في أساسه على فكرة "المظلومية" والتخوين والذم لكبار الصحابة، وبات لعن الصحابة أحد العلامات الفارقة التي تميز الشيعة عمن سواهم .
وبناء عليه فالحديث عن "تجريم نقد التشيع" باعتباره أحد مبادئ الوحدة الوطنية غير مستقيم .
إذ أن كل المسلمين - من غير الشيعة - ينظرون لكافة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة إجلال وتقدير ومحبة ويترضون عنهم أجمعين فهم أصحاب النبي و مناصروه وحملة الرسالة والوحي إلينا.

و ليس في المسلمين من يتجاوز بحق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو يسبهم او ينال منهم، بل هم محل التقدير والحب، فهم "أولا" قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أوصى بهم . وهم "ثانيا"من ضمن الصحابة الذين يقر لهم الجميع بالفضل والسابقة في الإسلام والجهاد والصحبة.

أما الشيعة فإن شعائر دينهم الحالي تتضمن المجاهرة بلعن أكثر الصحابة وسبهم وشتمهم على المنابر وفي الكتب، وهذا السب يطال فيما يطال اقرب اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه، كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم. بل وينالون من أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، ويرددون عنها ماقاله المنافقون، وماكذبه القرآن صراحة حين انزل الله براءتها من فوق سبع سماوات.
فكيف يمكن أن يقال للمسلم من اهل السنة : توقف عن الحديث عن فلان وفلان من المواطنين لأنه "شيعي" ؛ في الوقت الذي يسمح فيه لفلان هذا بالنيل من أشرف البشر بعد الأنبياء، وخير القرون؟

هل بات عرض "المواطن الشيعي" أهم واغلى من عرض أبي بكر الصديق، وهل باتت المواطنة الشيعية أطهر من أم المؤمنين عائشة؟
إن كان النيل من التشيع والشيعة ذنبا؛ فإن النيل من الصحابة كبيرة من الكبائر وجريمة عظمى لا يجوز التهاون بها أو التخفيف منها تحت ذريعة الاختلاف المذهبي.

وحين يتحدث أحدهم عن معايير لاحترام الأقلية المختلفة عنا؛ فيجب أن يتضمن الحديث هنا احترام معتقد الأكثرية، وتوقف الآخر عن النيل من دين الأكثرية.
فليس منطقيا أن يظهر المخالف احتراما لي، حقيقة أو تقية، في الوقت الذي يلعن فيه ويسب ويخون والدي وجدي واهلي وجماعتي.. والنيل من الصحابة أعظم من هذا وأكبر.

إن حال السنة مع الشيعة كحال المسلمين مع النصارى!
فالمسلمون يقرون أن عيسى رسول من عند الله ويؤمنون بأن الله أنزل معه الأنجيل وانه كان رحمة للعالمين.
كما يؤمنون بأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ومعه الكتاب المبين الناسخ لما سواه.
بينما يجحد النصارى بنبوة محمد، والكتاب الذي أنزل معه، ولم يكتفوا بذلك بل حرفوا دين عيسى وغيروه وبدلوه، ورفعوا من قدر عيسى عليه الصلاة والسلام ومنحوه ماليس فيه، حتى جعلوه ابنا لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فهل يمكن ان يقال اسكتوا عن ذم النصارى في الوقت الذي ينطق فيه النصارى بكل تلك الموبقات بحق الله وحق أنبيائه؟
إن القرآن رغم تأكيده على عدم الاعتداء على المخالفين من اهل الكتاب ليؤكد على انحرافهم وزيغهم وقولهم على عيسى عليه السلام قولا عظيما ، وهي من الكثرة والوفرة في كتاب الله بحيث لا تحتاج للاستشهاد.
فكما هو شأن المسلمين والنصارى، فكذلك الشأن مع الشيعة، فإن اهل السنة  يجلون ويقدرون "جميع الصحابة وآل البيت" بينما ينتقي الشيعة فئاما محدودة من الصحابة فيبالغون في تعظيمهم ويرفعونهم فوق قدرهم، ويلعنون كل البقية.
ولا يصلح ان نعطي الدنية في ديننا فنسكت عن الحديث عن الشيعة وتجاوزاتهم إلا  سرا، بينما يذمون الصحابة ويخونون الأمة كلها التي تترضى عن هؤلاء الصحابة جهرا وعلى المنابر.

ولنتخيّل أن ضمن مواطنينا "نصارى" ، فهل يجوز لهم أن يطالبوا بالكف عن تلاوة الآيات التي تتناول النصارى ذماً وتكفيراً وتحذيراً بحجة " حماية الوحدة الوطنية"؟ بالطبع لا ، فالسكوت عنهم شيء، ومطالبتهم بإسكات الحق شيء آخر تماماً.

جدير بالذكر ان ما أقوله عن تناول  الاعتقادات المنحرفة للشيعة ولغيرهم بالذم مقتصر على "القول" تذكيرا وتحذيرا وحماية للدين من تشويهاتهم الكبيرة.
أما التعدي على المخالف "بالفعل" والنيل منه وإيذائه جسديا بالضرب، او القتل، أو التفجير ، أو إيقاع المظالم، أو أخذ الأموال، أو التعرض للنساء، او ماسوى ذلك من ألوان العدوان فهو أمر محرم شرعا، وتجاوز مرفوض، لا يمكن السكوت عنه ولا تبريره ولا التسامح معه.
بل يجب إدانة ذلك سرا وعلانية، وردع المتجاوزين بأشد العقوبات، وعدم التهاون في ذلك.
فنقد المذهب المنحرف شيء، والاعتداء على أتباعه شيء آخر.

ويمكنني تشبيه الأمر ب "الربا"، فالحديث عنه وتجريمه وبيان خطره، واجب شرعي لا يجوز السكوت عنه وبذلك جاءت نصوص الشريعة.

أما الاعتداء على البنوك الربوية، و اتخاذ أي إجراء فعلي للإضرار بالأموال او الممتلكات أو الأشخاص، فتجاوز مرفوض، وافتئات على سلطة ولي الأمر.

ولهذا أوكد مابدأت به حديثي من أهمية عدم السماح للأقلية بالتجاوز تجاه الأكثرية أيا كانت الذرائع.
 وخاصة مع الضجيج الكبير الذي يفتعله بعض الشيعة اليوم في محاولتهم استغلال احداث تفجيرات الغلاة الدواعش لمساجد الشيعة في الخليج من اجل انتزاع الاعترافات من المسلمين بصحة معتقداتهم أو تصديق "مظلوميتهم"، والسعي لإسكات الأصوات التي تحذر من خطرهم في الإعلام المرئي والإعلام الجديد، ومحاولتهم فرض حصار فكري للأكثرية التي هي على ماكان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه واهل القرون المفضلة.

إن المحافظة على سلامة المخالف من الاعتداءات رغم كل انحرافاته أمر مطلوب ومتفق عليه، وحصر العقوبات التي يتم إيقاعها في الجهات الرسمية المخولة بذلك، ويجب ردع أي متجاوز لهذا.  
كما أن التحذير من انحرافات المخالف وتلبيساته وبيان أفاعيل أتباعه هنا وهناك أمر مطلوب كذلك، وهو واجب شرعي لا يجوز منعه او تجريمه.

اسأل الله ان يحفظ بلادنا من مضلات الفتن، ومن مسببات الفرقة والشتات.
وأن يديمها آمنة مطمئنة، ويبقيها منبرا للإسلام عبر كل زمان ومكان.


مقال : اوقفوا نزيف الدماء السنية / الشيعية



بقلم /  محمد بن سعد العوشن