8:29 م

حريات المرأة المحافظة. إلى أين؟


تنتابني بين الفينة والأخرى حالة من التذبذب والقلق فيما بتعلق بحال من ولانا الله أمرهنّ، من "الزوجات والبنات والأخوات" والحدود التي يمكن رسمها لعلاقتهن بالرجال الأجانب.
وذلك بين ماتربينا عليه من مبادئ الحياء والحشمة والعفة، وبين ضغوط الواقع والتطور التقني الضخم ودخول الإنترنت لتفاصيل مجريات الحياة اليومية.
ولو نظرنا إلى مسيرتنا .. لأدركننا - في البداية - جعلنا الجوال محظورا على المرأة ابتداء - وأتحدث تحديداً عن مجتمعي القريب المحيط بي - ثم سمح لها باقتناء الجوال بشكل تدريجي.
ثم بدأت أجهزة الجوال في التطور والتغير وإضافة المزبد من الخدمات و انطلقت وتعددت وسائل التواصل (الجماعي منها والفردي).
فأصبح للمرأة حسابات بريد الكتروني ومعرفات في منتديات الحوار الناشطة آنذاك.
ثم تطور الإمر الى المدونات، فأطلقت المراة مدونتها وضمنتها شيئاً من سيرتها الذاتية واهتماماتها، وتعليقاتها على الواقع وأحداثه، وباتت ترد على زوار صفحتها تعقيباً او شكراً .
 ثم كانت النقلة الكبرى مع خدمة تويتر وانستغرام وفيسبوك وكيك وسناب شات.... فضلاً عن قروبات الواتساب والتيلغرام..

لم يقتصر الأمر على مجرد وجود معرّف للمرأة،  وإمكانية قيامها بنشر بعض المشاركات المحدودة، لكنه انتقل الى نشر الآراء الشخصية، والصور الشخصية، والتفاصيل الحياتية اليومية، والمناسبات الاجتماعية، وصور ذويها "إخوة وأبناء وبنيات" ..فضلا عن إظهار اللطف والرقة والأنوثة من خلال التعليقات والفيسات على صور الآخرين ونصوصهم .

ودخلت بعضهن في "الاسك مي" لتتيح للزوار سؤالها عن مابدا لهم، ودخلت أخريات في" سي آت" ليكتب لها الناس مرئياتهم وأحكامهم عليها، وتأتي هذه الأسئلة والتعليقات بشكل خاص لصاحبة المعرف، فإن شاءت نشرت ذلك وإن شاءت أخفته وأبقته خاصاً بها.

كما أصبحت النساء يشترين من خلال مواقع الإنترنت، بل ومن خلال عدد من تلك المواقع الاجتماعية " إنستغرام نموذجاً " ويطلبن الألبسة والعطورات والمجوهرات وغيرها، خصوصا مع توفير خدمات التوصيل للمنازل من قبل أولئك الباعة رجالا كانوا أم نساء.
وقد تكون تلك الألبسة ألبسة خاصة.

مما يمكن القول معه بأن المرأة قد أصبحت متجردة مكشوفة مع كثرة تلك المواقع التي تتحدث فيها وتصور لأجلها وتعلق عليها.

حتى بات ممكنا للرجل الأجنبي أن يجري مسحاً شاملاً لتحليل شخصية تلك المرأة وماتحب وماتكره ومشاعرها اليومية، ومرئياتها تجاه الكثير من الأشياء، وجدولها اليومي، وحالتها الاجتماعية، و أسلوبها في الحديث ومستواها التعليمي والعقلي من خلال مشاركاتها هنا وهناك.

كما بدأت المرأة والفتاة في متابعة الكثير من الحسابات والمعرفات الشخصية  لعدد غير قليل من الرجال والشباب  إما لعلمهم أو لظرافتهم أو لخبرتهم أو لأصواتهم، أو لغير ذلك، مع المتابعة المستمرة لأجل الاطلاع على مايعرضونه من فعاليات أو سفريات أوألبسة أوتجارب.

وحفلت الأشرطة النصية في القنوات الهادفة وغير الهادفة والبرامج المباشرة بتعليقات كثيرة وإعجابات علنية أو مضمنة، بالأسماء الصربحة حينا وبالأسماء المستعارة أحيانا.

أما التسوق في الواقع الحقيقي وإمضاء الساعات الطوال لوحدهن في تلك المولات الضخمة المملوءة رجالا ونساء وباعة ومتاجر ومقاهي ومطاعم وملاهي فجانب آخر..  وتوسع آخر ليس هذا موضع بسطه.

فإذا تحدثنا عن اللباس من خلال العباءة على الكتف، والعبايات المخصرة والمزركشة والطرحات والنقاب او اللثام فنحن أمام تغير آخر.

فإن انتقلنا للحديث عن السائق الذي بات أشبه بمحرم، من حيث تواصل المرأة المستمر معه، ووجوده تحت إمرتها في أي ساعة من ليل أو نهار، وقطعه المسافات البعيدة بها داخل المدينة لوحدها أو مع أخواتها أو بناتها، فإننا أمام مجال مختلف.

فإن تحدثنا عن التعلق بالماركات وإنفاق الأموال الضخمة عليها، والاستجابة للموضة وللتوسعات الكبرى في الاحتفالات التي لا تنتهي و الطقوس التي يتم إضافتها على فعاليات الأعياد والتخرح والزواج والولادة والمفاخرة في ذلك والتنافس المحموم بين النساء للقيام بما لم يسبق لأحد القيام به فإننا سنصاب بصدمة من حجم الأموال والأوقات والمشتريات في هذا الشأن، والتي صارت كالمخدرات..  كلما زادت جرعتها كلما طلب الجسم المزيد والمزيد، ولم تعد تؤثر فيه كمية الجرعات السابقة ولم تعد تشبع نهمه الذي بدا أنه لن يتوقف عند حد.

فإذا تناولنا مسألة سفر المرأة للخارج وتبعاته وتداعياته وتأثيراته على تلك المسافرات وتأثيره كذلك على باقي النسوة الأخريات اللاتي لم يسافرن، وأنواع الضغوط التي تتم عليهن من أجل المجاراة من خلال نشر الصور والتعليقات عن تلك الرحلات السياحية في مواقع التواصل الاجتماعي فإننا سنكون أمام باب آخر غير يسير.

وبعد أن سردت هذه اللمحات السريعة والموجزة عن التغييرات في واقع المرأة المحافظة أو التي تقع ضمن بيئة محافظة، وكيف أننا ننتقل في كل فترة وأخرى من موقع إلى موقع آخر أقل محافظة وأكثر توسعا، دون أن أتوقع الحد الذي سنتوقف عنده والذي سيكون حدا فاصلا بين المرأة والبيئة المحافظة والمنفلتة.

فإنني أوجه سؤالي لإخوتي الكرام -بحكم القوامة التي جعلها الله لهم، والأمانة التي تحملوها، وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" - :
* هل من حدود يمكن الاتفاق عليها فيما تأخذ المرأة أو تذر؟
* ما الذي يمكن اعتباره ضمن حدود المحرم والمكروه والمباح؟
* هل من وسيلة لمقاومة الضغوط النسائية باتجاه التوسع في الحريات بما لا يحل شرعا؟
* هل من وسيلة للقيام بهجمة مرتدة، للرجوع إلى ماكان عليه الوضع سابقا، والتراجع عن مساحات من الحرية التي تم منحها تحت ضغط الواقع؟
مدركا في الوقت ذاته أننا أمام تحد كبير في الوقت الراهن بسبب الحملات الليبرالية الضخمة لإخراج المرأة من بيتها واختلاطها بالرجال والمساعي الحثيثة لاستقلالها عن الرجل وإزالة مفهوم "المحرم" ، وعمل المرأة، وابتعاثها.  وتوظيف كل تقنيات العصر لتحقيق الحشد الشعبي بهذا الاتجاه المنفلت.
وأننا ننشد إصلاحا يحقق المراد ولا نريد هدم البيت على من فيه بالثورة المفاجئة التي قد تتسبب في خصومات وتزاعات داخل البيت الواحد مما قد يؤدي للطلاق.

آمل أن أكون قد أوضحت طبيعة المشكلة وحجمها، وأن يكون لدينا الجرأة والقدرة على فعل شيء في هذا الخصوص.
مدركا أننا أمام تحد كبير لا يمكننا تجاوزه إلا بالتواصي المستمر بالحق والصبر.
منتظرا من إخوتي الكرام رأيهم في المشكلة ابتداء..  ثم رأيهم في الحلول لهذه المشكلة وكيفية السيطرة على الحريق.
فلازال هذا المقال مسودة لم ينضج بعد.


بقلم /  محمد بن سعد العوشن

——
*يوم الاثنين 4 شوال 1436 الموافق 20 يوليو 2015