10:50 ص

ترفيه المرفّهين


يذهب البعض في رحلة ترفيهية، وبعد أن يعود من رحلته تلك، يطلب وقتاً للاسترخاء بعد هذا الترفيه!
إنه حالنا وللأسف!
فبرغم أن أكثر الناس يمارس طوال العام تضييعاً للوقت بكرة وعشياً، ويعيش الترفيه طيلة يومه وليلته، ورغم أننا جميعاً -إلا ما رحم ربي- مقصّرون غاية التقصير في العمل لديننا ولمجتمعنا ولوطننا.. إلا أننا منساقون -بوعي أو بغير وعي- وراء النظرة الغربيّة للكون والحياة!
تلك النظرة التي يسعى الواحد من أهلها بكل جهده ليعبّ من كافّة المأكولات والمشروبات وألوان الترفيه دون أي قيد أو شرط أو شرع، لأنه لا يؤمن إلا بهذه الدنيا، فيريد أن يضمن أن يأخذ منها كل لذّة، فلا لذّة له بعدها.
ولا ينقضي العجب ممن يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ويحمل نظرة مختلفة للحياة، ويدرك أن الدنيا كشجرة يستظل بها الراكب في سفره للآخرة، ثم يرحل عنها إلى دار المقام الأبدي، ومع ذلك تراه يسير وفق منهج “الآخرين”، يحذو حذوهم، ويقتبس آثارهم، ويتتبع خطواتهم، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لرأيته في أثرهم يدخل الجحر ذاته، متناسياً أنه لن تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن جوانب أربعة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحديث عن الترفيه:
عن (عمره) فيم أفناه؟
وعن (علمه) فيم فعل؟
وعن (ماله) من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟
وعن (جسمه) فيم أبلاه؟

 حاجتنا للترفيه:
إنني أدرك أن على كل واحد منا أن يعطي للترفيه جزءاً من وقته، فيخصص له جزءاً من حياته الجادة والفعّالة.
والترفيه بهذا المفهوم الخاص، والمنضبط كلياً بضوابط الشرع ومحدداته أمر مطلوب (ساعة وساعة).
أما أن يذهب العمر كله في الترفيه، ثم ننشد المزيد، فما حالنا إلا كحال العطشان الذي يشرب ماء مالحاً فلا يزداد مع كل جرعة إلا عطشاً.

هل بتنا نشتكي من الجدية المفرطة في واقعنا، ثم شخّصنا المشكلة فوجدنا أن مشكلتنا تكمن في فقدان الترفيه؟

ربط الأحزمة:
أظن أن مجتمعنا ووطننا اليوم يمرّ بمرحلة استثنائية تستوجب شدّ الأحزمة، وإعادة النظر في سلوكيات الترف التي اجتاحتنا في فترة ماضية من جراء توفّر الكثير من الأموال في أيدي الناس، حتى رأينا التنافس والتسابق على المظاهر الجوفاء، ورأينا الناس يحتفلون بكل شيء، ويبالغون في الاحتفال، وينفقون الأموال الكثيرة بل يرمونها في شكليات تافهة عند الخطبة وعند الزواج وعند الولادة وعند الدراسة، وعند النجاح من أي صف دراسي، وعند مناسبات لها أول وليس لها آخر، ورأينا في تلك الفترة أن الهدف من هذا الإنفاق الكثير والتسابق ليس الترفيه بذاته، بل لكي “يُقال”، ولذا كان نشر الصور على حسابات التواصل أهم من الفعالية ذاتها، وبتنا سوقاً رائجة لكل منتج ترفيهي وترفي يتم إنتاجه في شرق العالم وغربه، مما جعل رواتب الآباء لا تفي بمتطلبات الأسر، لأن نسبة غير قليلة من الإنفاق اليومي تصبّ في جوانب الترف والكماليات والتفاخر، وبات الكثير من الناس من فئة (المتشبّع بما لم يعط)، وتراه يغيّر جواله كل عام، في الوقت الذي لا يملك فيه مالاً لينفقه على كتاب يقرأه، أو دورة يحضرها، أو صدقة يتصدق بها، وبات يصدق فينا قول القائل (يبتني قصراً ولا يملك بابه).

الترفيه المحلّي والترفيه المستوردّ:
إننا جميعاً مع الترفيه المبني على قيم المجتمع، الترفيه المنضبط، الترفيه المحافظ، الترفيه الذي يعبّر عنّا.
أما الترفيه المستورد والمضمّن قيماً مختلفة عنّا، فإن جلبه إلى المجتمع يزيد من حجم المتورطين فيه، ويزيد من تضييع الأموال ومن قبلها الدين والأخلاق، ولن يردع بعض المترفين عن ذهابهم لهذه البلاد أو تلك لممارسة الترفيه “المنفلت” هناك، ولن يثنيهم عن ذلك – لو توفرت السيولة بأيديهم – أن يجدوا استنساخاً لبعض جوانب التجربة هنا، فما ينشدونه أمر آخر غالباً.

نداء لهيئة الترفيه:
إننا بحاجة إلى أن تقوم هيئة الترفيه بعمل مميّز، وجهد دؤوب من خلال ابتكار الأدوات والمنتجات والأفكار التي تحقق الترفيه “النظيف” المنطلق من قيمنا الأصيلة، ومبادئنا الراسخة.
نحن بحاجة إلى أثواب تفصّل من البداية على مقاييسنا، وبألوان تتناسب مع ذوقنا، وبخامات تصلح لبيئتنا، وليست “بدلاً جاهزة” يتم التعديل عليها ليمكن لنا ارتداؤها.
ما أحوج الهيئة إلى أن تجعل منا مبتكرين في عالم النسخ المكررة، أصيلين في عالم النسخ غير الأصلية، محافظين في عالم الانسلاخ وذوبان الهوية.
إننا في هذا المجتمع المسلم العربي نحن “الأعلون” فلا يصلح لنا الدون.
نحن أصحاب القيم الخالدة، فجدير بنا أن نكون في قيادة الأمم لا في ذيل الركب.


نشر في صحيفة تواصل الإلكترونية هـــنــا