12:59 م

عُقدة العيون الزرقاء!


إحدى مشكلاتنا الكبرى: أننا نحتقر أنفسنا، ونحتقر إنجازاتنا، ونحتقر إخواننا، ونحتقر زملاءنا، ونحتقر مؤسساتنا، ونحتقر دولنا!
مشكلتنا أننا دَوْماً مسكونون بوهم “الدون” وأننا الأقل!
نُركِّز على عيوبنا ونقاط ضعفنا أكثر من تركيزنا على نقاط قوتنا وتميُّزنا وتفرُّدنا.
وفي كل مرة نحاول الفرح والابتهاج بتحقيق نجاح هنا أو هناك، يتطوَّع البعض بعد الإشادة بهذا النجاح، فيذكرنا بأنه يجب ألا يغفلنا هذا النجاح اليسير الصغير المحدود (!) عن حقيقة حالنا وعيوبنا وتقصيرنا، ثمَّ يسوق قائمة من الكلمات التي يجلد بها ذاته، ويجلدنا معه دون رحمة، فيغتال ابتهاجنا بالإنجاز.
في اليومين الماضيين استمعت إلى عدد من الأشخاص الذين يعملون في مجالات متنوعة، في المجال التعليمي، والخيري، والإعلامي، والإداري، الحكومي منها والأهلي والخاص، استمعت إلى حجم كبير من الإنجازات التي ترفع المعنويات، وتجلب السرور، وتساءلت حينها: كم من الوقت نمضيه في الاحتفال بالنجاح؟
إننا لو رصدنا أخبار النجاحات ونشرناها دون مبالغات لأشعنا في المجتمع طاقة ضخمة من الإيجابية التي يمكنها أن تكتسح روح السلبية والخمول والخذلان والانكسار، تلك الروح التي انتشرت في مجتمعنا على حين غفلة، انتشرت مع طغيان موجة الإعجاب بالآخر، والانبهار بمنجزاته وابتكاراته وأدواته، مع التغطية والغفلة التامة على كل سوءاته ومخازيه وخطيئاته.
إنَّ لدينا في مجتمعنا المحلي، وفي مجتمعات المسلمين عامَّة، نماذج ليست قليلة على أقوام فرَّغوا أوقاتهم، وركَّزوا اهتمامهم في تقديم الخدمات للمجتمع في شتى المجالات، فأحدثوا تأثيراً كبيراً، وحققوا – رغم شُحِّ الموارد المالية والبشرية – إنجازات ضخمة تعجز عنها كبريات المؤسسات العالمية التي تملك النفوذ والمال والإعلام.

غير أن كثيراً من هذه النماذج الرائعة لم ترَ النور، ولم تتناولها وسائل الإعلام بالشكل الذي يوازي تأثيرها، ولذلك ما يفسِّره ولا يبرره، فمنها: أن أصحاب تلك المشاريع مخلصون، يبتغون الأجر من الله، ويرون صنيعهم خدمة للمجتمع وللوطن لا يبتغون من ورائها جزاءً ولا شكوراً، فهم بعيدون عن الإعلام.
ومنها: أنهم مشغولون بـ”العمل” عن “القول”.
ومنها: أنهم يعايشون النجاحات، فربما توقعوا أن الجميع يعايشها، ولا يتوقعون أن الحديث عنها يُعْتَبَر إضافة نوعية للمستمعين والمشاهدين والقراء.
وفي بعض الأحايين.. لأنهم لا يدركون حجم النجاح الذي يحققونه بصنيعهم هذا.

ولو ألقيت سمعك وبصرك لكل أحاديث وكتب وأفلام النجاح والإنجاز والتميُّز لوجدتها تستشهد بالكثير من الأمثلة من حياة ذوي العيون الزرقاء، الذين فعلوا وحققوا وأنجزوا وتميزوا! وكأنَّ الأمة قد خلت من النماذج المتميز، فلم يجدوا من الناجحين أحداً، ولم يسمعوا لهم رِكْزاً، مع أن في تاريخنا العريق، بل وفي واقعنا المعاصر أفواج تلو أفواج من الناجحين المميزين الذين حققوا الكثير، وباتت بصماتهم على الأرض تتحدث عنهم، ولسان حالنا كما قيل: (زامر الحيِّ لا يُطرب)، وهذه النجاحات تشمل الأفراد والمؤسسات والجهات الحكومية.

ولعلي أذكر في هذا السياق نموذجين مميزين.

أحدهما: النجاحات التي حققتها وزارة الداخلية بكل قطاعاتها في مجال الحكومة الإلكترونية، وكيف تحول (استخراج وثيقة رسمية) من كونه همّاً وعبئاً وكابوساً مزعجاً طويلاً إلى أن أصبح مجرد نقرات يسيرة على لوحة المفاتيح، أو من خلال الجوال الذكي، ثمَّ إنجاز غير مسبوق في التسليم، وسلاسة في الإجراءات، وانظر في إجراءات الجوازات، والمرور، والأحوال المدنية لتدرك أننا حققنا نجاحاً نوعياً في فترة قصيرة، يجب أن يُحتفى به وأن يُشاد به، وأن يتم استنساخه على نطاق واسع.

أما النموذج الثاني، فالخدمات البنكية الإلكترونية الرائعة التي يقدمها عدد من البنوك السعودية، والتي لا توجد بهذا المستوى في عددٍ من أشْهَر البنوك في أوروبا!

عود على بدء:
نحن بحاجة ماسَّة إلى إبراز النجاحات، والاحتفال بها، وتقييدها، ونشرها، والمفاخرة بها، فنحن “الأعلون” ما دمنا مؤمنين.
فمن هو الذي يقرر رفع راية نشر أخبار الخير والبركة والنجاح والتميُّز والجودة بشكل منتظم؛ ليساهم في صحوة مجتمعية، وتسابق حقيقي نحو أبواب الخير والأجر والنجاح والفلاح.. (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)؟

دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan

نشر في صحيفة تواصل هنا