6:00 م

التنفيس و(الفضفضة)

يتعرض المدير الجديد – على وجه الخصوص – في أثناء عمله لكثير من المشكلات، ويقابل أشخاصاً ذوي طبائع مختلفة، كما أن مجريات الحياة تتضمن عدداً من المصائب والهموم والنوازل المتنوعة، ويتفاوت الناس في تعاملهم معها تفاوتاً كبيراً، فثمة أشخاص يظهرون مشاعرهم، ويعبرون عنها بوضوح، وثمة آخرون يكبتون مشاعر الأسى والحزن في أنفسهم ولا يظهرون منها شيئاً، فتعمل عملها السيء في تفكيرهم واهتمامهم، بل وفي أجسامهم، كما أنها تصرفهم عن الكثير مما يفيدهم.
 لذا يحسن التعامل مع هذه الضغوط و التقليل من الآثار السلبية لها، من خلال "التنفيس عن النفس" بشكل منتظم، وذلك من خلال وسائل شتى، ومن بينها:

1- بث الهموم للأهل والزملاء بالحديث معهم، والإفضاء إليهم بما في النفس، وما يشعر به المرء من آلام وصعوبات، فذلك الإفضاء يعمل على تخفيف المصيبة، والتهوين من شأنها، ويشعر المتحدث بعد هذه الفضفضة بالكثير من الراحة، ولذا قال الشاعر:

ولابد من شكوى إلى ذي مروءةٍ   * يواسـيك أو يسليك أو يتوجـعُ
   
ولا شك أن بثّ شكواك وهمّك إلى ربك عزوجل في خلوتك، وعلى سجادتك، وفي ساعات سكون الخلق أنفع وأكثر أثراً لذا أخبرنا الله تعالى عن حال نبيه يعقوب عليه السلام بقوله: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)، وفي الحديث : (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس)

2- الكتابة الخطية للمشاعر الحقيقية التي تصول وتجول داخل النفس، كأن تكتب رسالة موجهة للشخص الذي قام بالإساءة إليك أو قصّر في التعامل معك، وأياً كان مآل الورقة المكتوبة، وهل سيتم إرسالها فعلاً أم سيتم تمزيقها فإن الأمر سيان، ذلك أن الكتابة بحد ذاتها لون من ألوان التفريغ الانفعالي المجرب.
اكتب مشاعرك على الورق أو على الحاسوب، أو في المفكرة بهاتفك المحمول، اكتب ثم اكتب، ولا تدقق كثيراً في الأسلوب أو الألفاظ، فالمهم هنا ألا يبقى في نفسك كلمة تود قولها إلا وقد كتبتها.
وقد أكدت بعض الدراسات النفسية أن التعبير عن المشاعر السلبية بالكتابة يخفف الأحمال ويزيح الكثير من الهموم، ويساعد على اندمال الجراحات النفسية ويدفع شرور مرض الاكتئاب، ويجعل المرء في حالة نفسية جيدة تمكنه من التعامل مع مشكلاته بشكل أفضل.

3- المكاشفة والمصارحة مع من يكون سبباً للمشكلة أو ذا علاقة بها، لأن الكتمان المستمر، وابتلاع الغصص والأخطاء واحتمالها يجب أن يقف عند حد معين لا يجاوزه، وقد تثمر تلك المكاشفة اتضاح مبررات مقنعة لأحد الطرفين، أو جوانب مؤثرة في الموقف بحيث ينقلب الحزن فرحاً والغيظ محبة وتقديراً، وقد تكشف المصارحة صلاح نية الفاعل، وحسن مقصده، أو أنه كان مكرهاً على فعله مجبراً عليه فيخف أثر المشكلة بشكل كبير.

4- تخصيص بعض الأوقات للراحة والاستجمام والترويح عن النفس بعد وفي أثناء أوقات الجد والعمل، إذ يتم في تلك الأوقات تبديل المشاعر، ونسيان الهموم، وتغيير الحالة النفسية بشكل كبير، شريطة أن يعوّد المرء نفسه على الانغماس في وقت الراحة دون تنغيصها بإعادة التفكير فيما وقع، واسترجاع شريط الماضي.

إن من المهم أن نحسن التعامل مع المشكلات التي تؤرقنا وتتسبب في إيجاد القلق لدينا من خلال هذه الطرق وسواها، وألّا نستسلم للقلق وكثرة التفكير في الماضي الذي انقضى ولم نعد نملك تجاهه خياراً، أو في المستقبل الذي لم يقع بعد وهو غيب لا يعلم ما يقع فيه إلا الله، فذلك التفكير السلبي مؤذن بالعديد من الأمراض النفسية والعلل الصحية ما لم نتدارك الأمر من بدايته، ونقوم بالتنفيس عن أنفسنا بالطرق المناسبة.


محمد بن سعد العوشن
@binoshan