11:54 ص

مزلق التغيير السريع!

ها أنت قد باشرت مهمتك الجديدة، وبت فعلاً "مديراً" يستمع موظفوك لتوجيهاتك، ويلجأون إليك ليسمعوا منك رأيك ومقترحاتك وحلولك، ويشتكون لك المشكلات التي وتواجههم.
قد يبدو لك حين تباشر العمل وتسمع ذلك وترى العمل الذي كلفت بإدارته بشكل مبدئي .. قد تقرر القيام بإجراء تغييرات جوهرية على هيكلية العمل، وأسلوب التنفيذ، وكيفية توزيع المهام، ونحوها.
والأصل أن عملية التغيير في العرف الإداري مشروعة وضرورية في بعض الأحايين، وبخاصة إذا كان لدى المدير "الجديد" الخبرة الكافية، والقدرة على تقييم العمل الجديد بصورة متوازنة.
لهذا فإن من أولويات المدير الجديد أن يجتمع بموظفي المنظمة، ويعرّفهم بنفسه، بشكل هادئ وحكيم وودود، و يجتمع مع ”الإدارة العليا” لمعرفة المهام بشكل أكثر دقة، وأولويات العمل التي يرونها، والمشاكل الأولى بالحلّ، وأن يجتمع بالشركاء والنظراء لمعرفة مرئياتهم عن المؤسسة، والمزايا التي يرون أهمية المحافظة عليها، وجوانب التقصير التي يرونها، بالإضافة إلى الاجتماع مع الجهات ذات العلاقة، كمدير البنك الذي تتعامل معه المنظمة، والجهات الحكومية والخاصة ذات الصلة.
إن هذه الاجتماعات الجماعية والفردية من شأنها أن تجعلك أكثر إحاطة بالصورة العامة للمنظمة ونقاط قوتها ونقاط ضعفها، ومتطلبات أصحاب المصلحة الداخليين والخارجين،  وحيث تنتهي من تلك الجولة المارثونية، يتبقى الجلسة مع ذاتك، والتي تحكّم فيها ماوصلك من معلومات، وتحللها، وتخرج من ذلك كله بخطّة عمل لما يفترض بك أن تعالجه، وما يفترض أن تتم المحافظة عليه، وما ينبغي إزالته، مع ترتيبها وفقاً للأولويات، وتوقيتها زمنياً .

وحين تكون الصورة أكثر وضوحاً يمكن الإقدام على التغيير، إذ أن التغيير يواجه – دوماً – بالتخوف والتشكك من قبل فرق العمل الموجودة، وينتج عنه شيء من المقاومة الداخلية الخفية أوالمعلنة، كما يجد المدير محاولات مستميتة لإبقاء الأوضاع كما هي، حفاظاً على المكتسبات السابقة وطلباً للراحة، وخوفاً من حصول الضرر نتيجة هذا التغيير المرتقب.
وهذا الاختلاف بين رغبة المدير الجامحة في التغيير، ورغبة الفريق في الثبات على ماسبق، تتسبب في نشوب بعض النزاعات وإيجاد النفرة لدى العاملين في المنظمة، وقد يجد المدير نفسه إذ ذاك وحيداً، وربما أصيب بالإحباط، ورأى أن المفاهيم الإدارية التي قرأها واستوعبها ليست واقعية ولا يمكن تطبيقها.

لذا فوصيتي لك أيها المدير الجديد 
أن تتوقف ملياً  وتتأمل قبل إجراء التغييرات الكبرى في المنظمة، كي لا تضطر إلى اتخاذ القرارات المتعجلة، ثم التراجع عنها تحت وطأة الضغوط أو بسبب الحصول على معلومات إضافية لم تكن حاضرة لديك حينها، فتصبح بعد ذلك في موقف ضعيف، تهتز له مكانتك، وتضعف فيه الثقة بقراراتك.
كما أن التغيير المتعجل الذي يتم اتخاذه قبل اتضاح الرؤى، وحصول التلاحم مع فرق العمل يتسبب في عدم القبول الشخصي للمدير، مما يفقد العاملين روح التفاني وحب العمل، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف المخرجات وقلة الإنتاج، برغم ما قد يبدو من الالتزام الظاهري بأوقات العمل والأنظمة الجديدة التي تم إقرارها.

لذا كانت خير وصية لك 
أن تقوم بإحداث التغيير بشكل تدريجي مدروس، مع الحرص على كسب قلوب العاملين معك وتقوية صلتك بهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومحاولة الاستصلاح قبل إجراء التغيير، والالتزام بالاستشارة، وأخذ الرأي، وإشعار الجميع بالمسئولية المشتركة؛ فإذا تبين لك – بعد ذلك - ضرورة إجراء التغيير، وحتميته، فإنك تستعين بالله وتتخذ قرارك وتجري التغييرات المطلوبة، وقد أعددت للأمر عدّته، وأدركت الخيارات التي أمامك، ومضيت في خطّ لا تراجع عنه.

ولعلك أيها المدير تتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة)، فما أتحدث عنه هنا هو "الأناة" ذاتها.

(الأعمال ينبغي أن تكون بعد التَّبصرة والمعرفة، والتَّبصرة تحتاج إلى تأمُّل وتمهُّل، والعَجَلَة تمنع مِن ذلك، وعند الاستعجال يروِّج الشَّيطان شرَّه على الإنسان مِن حيث لا يدري) محمد الغزالي.

( الذي يريد تغيير كل شيء أو لا شيء.. لن يفعل شيئاً ) نانسي أستور.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan