11:17 ص

فمن الله ...

يحقق المرء في حياته نجاحات مختلفة، في مجالات التعليم، والأسرة، والحياة الاجتماعية، وفي المال، وفي الجوانب الشرعية، وفي جوانب أخرى من الحياة.. فيفرح ويسرّ بذلك.
وحين تتوالى تلك النجاحات في المجالات كلها أو في أحد المجالات، قد يتوهم المرء وهو يعيش نشوة الفرح، والثقة بالنفس أن هذا النجاح المتحقق و المستمر إنما تم بسبب جهده الكبير، وعمله الدؤوب.
ويظنّ أن ذلك الجهد والإصرار وحسن التدبير الذي يفعله هو سر نجاحه وتميزه عن الناس!

متجاهلاً أن ثمة أشخاص آخرين عملوا أكثر من عمله، واجتهدوا أكثر من اجتهاده، وبذلوا أكثر من بذله، وحرصوا أكثر من حرصه، ولم يتركوا سبباً إلا فعلوه، ولا باباً إلا طرقوه، ومع ذلك لم يتحقق لهم مرادهم بل كانت نتيجة مساعيهم خسارة وفشلاً وإحباطاً.

وأنا في حديثي لا أقلل من أهمية العمل، والجد، وفعل الأسباب، فذلك أمر مطلوب شرعاً وعقلاً، ولابد منه لكل من أراد نجاحاً دنيوياً أو أخروياً.

لكنني أختلف كلياً مع  الذين بنسبون الفضل لذواتهم فقط، ويتغافلون عن صاحب الفضل العظيم، ومسبب الأسباب، الذي لولاه لما تحقق لك شيء مما تريد، ولو وكلك لنفسك لوجدت كسلاً وانصرافاً وعوائقاً لا تحصى.

فكم من مزارع أحسن اختيار الأرض، وأحسن اختيار البذور، واختار أفضل الأوقات، وتعاهدها بالسقيا والسماد والعلاج، ولم ينبت الله زرعه، ولم يحقق مراده.

وكم من مربٍّ لأبنائه، حريص عليهم، مهتم بشأنهم، باذل الغالي والرخيص لأجلهم، ومع ذلك لم يحق الله له مراده، ولم يرد الله لهم صلاحًا أو نجاحاً.

وكم من منطلق في مشروعات تجارية متنوعة ظنّ أنها ستجعله من الأثرياء، وسعى لأجلها سعياً عظيماً، فإذا بها تكبّله ديونًا ورهقًا، وتدخله السجن لا يملك ريالاً.

أيها الكريم ..

اعمل بجدّ، وابذل كلما في وسعك، فذلك من تمام التوكّل على الله، وحين تفعل الأسباب علّق التوفيق على الله، واعتمد عليه، وتوكل عليه، وحين تحقق نجاحاً وفلاحاً فلا تنس في خضم الفرح أن تنسب الفضل إليه، فهو الذي ألهمك الجدّ حين ابتلى سواك بالكسل، ورزقك التوفيق حين حرم غيرك منه، وأزال عنك العوائق وجعلها في طريق من هم أكثر منك حرصاً وعملاً، وتلمس لطف الله في أمرك كله، فلولاه لم حققت شيئاً من النجاح ألبته.

وحذاري من أن تشابه فعل (قارون) الذي رزقه الله مالاً وافراً كثيراً حتى أن مفاتيح تلك الخزائن لتنوء بالعصبة أولي القوة، فغرّته نفسه، وتوهم أن ذلك إنما هو من جهده وعلمه وعقله، وقال الله على لسانه : (قال إنما أوتيته على علم عندي)، فكان اعتداده بنفسه عظيماً، لذا جاءت عاقبته (فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وماكان من المنتصرين)، أما المعجبون به، المتمنون أن يكون حالهم في الثراء مثل حاله، فقد أدركوا أن آمالهم لم تكن في محلها، فروى الله حالهم فقال سبحانه (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون)

احمد الله، واشكره، وأثن عليه، واعترف في كل موضع بأن كل خير أصابك، ونجاح حالفك، إنما هو ( من الله)، وتذكر دوماً قول الله تعالى : ( ومابكم من نعمة فمن الله )، وقوله (ما أصابك من حسنةٍ فمن الله).

فبالشكر، ونسبة الفضل للمنعم: تدوم النعم.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن