12:54 م

خارج صناديق الاعتياد

الإنسان بوضعه الاعتيادي يجب المألوفات لديه، ويعتاد عليها، ويصعب عليه مفارقتها، لذا ترى كثيرين يأكلون ذات الطعام ويشربون ذات الأشربة التي اعتادوا عليها منذ سنين طويلة، ويحجم الواحد منهم عن تجربة الجديد، ويعرض عنها صفحًا لأنها تخرجه من دائرة الاعتياد، وتجعله في دائرة التجريب والاختبار بكل احتمالاتها.
وهذا الصندوق يسير شأنه، إذ أننا نمكث في (صندوق العلاقات المعتادة)، وربما افتخر المرء بأن كل علاقاته الحالية قديمة، تعود للمرحلة الثانوية أو الجامعية أو سواهما!

إن وجود العلاقات الوثيقة، طويلة الأمد أمر مطلوب لكن المرء محتاج لكي ينضج ويتعلم ويتوسع إدراكه ويحيط علمًا بجوانب ليس يعرفها، بحاجة إلى الخروج من صندوق العلاقات المعتادة لتجربة صداقات وعلاقات مختلفة كليًا، مختلفة اجتماعيًا، وجغرافيًا، وفكريًا، وطباعًا..

ومع كل تجربة جديدة يدرك المرء كم فرّط في ذلك الأمر سنينًا، وأغلق أمام نفسه أبواب المعرفة الكثيرة تحت أسر العادة، ويمكن أن يقال ذلك عن الكتب المعتادة، والمشايخ المعتاد على السماع لهم، والقراء، والشعراء، والمنشدين، والبلدان، والألبسة، والمراكب، والمساكن، في قائمة لا تنتهي من الصناديق التي بتنا أسرى لها لا نجاوزها، فإذا ما تجاوزناها وارتفع وعينا أدركنا أنه كان من الأولى بنا أن نفعل ذلك منذ زمن طويل.

وحتى لا يفهم حديثي على غير ما أريد به، فإن ذلك كله يجب أن يكون وفق المباح والجائز شرعًا، فلا يجرّب المرء الخمرة للخروج من صندوق الأشربة المعتاد، ولا يصاحب أهل الضلال ويسايرهم بهدف الخروج من الاعتياد وتجربة التغيير..
ولنتذكر دوماً الدافع من هذا الخروج عن صندوق الاعتياد .. وهو توسيع دائرة المعرفة والإدراك ورفع الوعي، وإطلاق الفكر لمزيد من التأمل والتفكر.