الحياة الوردية!!
من أين أتى مصطلح 'الحياة الوردية' والتي يتم تداوله ويقصد به انها حياة جميلة بدون منغصات؟
وعلى اي اساس اختير اللون الوردي ولم يتم اختيار اللون الأخضر او الأصفر مثلا؟
سألت مستشاري الذكي، وتفاجأت بالإجابة وأحببت أن أضعها بين يديكم دون تدخل مني.
_______
نعم، وراء التعبير قصة لغوية وثقافية لطيفة، وليس اختيار اللون الوردي اعتباطيًا.
عبارة «الحياة الوردية» في العربية تبدو في أصلها متأثرة بالتعبير الأوروبي، وخصوصًا الفرنسي voir la vie en rose، أي حرفيًا: «أن ترى الحياة باللون الوردي»، بمعنى أن ترى الجانب الجميل والمتفائل من الحياة، وربما تبالغ في تجاهل منغصاتها.
والتعبير أقدم بكثير من أغنية إديث بياف الشهيرة La Vie en rose عام 1946؛ فالدراسات الفرنسية ترصد استعمال «رؤية الأشياء باللون الوردي» بمعنى التفاؤل منذ أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. وهناك استعمال موثق سنة 1801 قريب جدًا من المعنى الحالي.
وفي الإنجليزية ظهر تعبير قريب جدًا: rose-colored glasses، أي «نظارات وردية»: أن تنظر إلى العالم من خلال عدسات تجعله أجمل مما هو عليه. وتذكر Merriam-Webster أن أقدم استعمال موثق لديها يعود إلى 1844، بينما توجد شواهد مطبوعة أقدم من ذلك، منها استعمال سنة 1834.
لكن لماذا الوردي تحديدًا؟
هنا الجزء الأجمل.
لم يكن الوردي منذ البداية يعني «الأنوثة» كما قد يتبادر إلى ذهننا اليوم. هذه دلالة ثقافية حديثة نسبيًا. وإنما ارتبط الوردي في الثقافة الأوروبية تدريجيًا بعدة أشياء إيجابية: الورد، ونضارة الوجه، والشباب، والصحة، والبهجة، والرقة والجمال.
وفي القرن الثامن عشر تحديدًا ترسخت دلالة اللون الوردي على البهجة والشباب والحيوية، ثم ظهر التعبير المجازي عن أصحاب «الخيال الوردي» الذين يرون كل شيء جميلًا وساحرًا. ومن هنا كان الانتقال طبيعيًا:
الورد جميل → لونه مبهج → الأشياء الوردية جميلة → أن ترى العالم ورديًا = أن تراه أجمل مما هو عليه.
وهذا يفسر أيضًا لماذا لم يكن الأخضر أو الأصفر. فالرمزية اللونية ليست نتيجة قاعدة منطقية أو خاصية فيزيائية في اللون، بل نتيجة تراكم ثقافي ولغوي. ولو نشأ التعبير في ثقافة أخرى لربما اختير لون آخر فعلًا؛ فهناك لغات تستخدم ألوانًا مختلفة في تعبيراتها عن التفاؤل والسعادة.
والطريف أن التعبير يحمل معنيين متقاربين لكن بينهما فرق مهم:
«حياة وردية» قد تعني: حياة سعيدة جميلة قليلة المنغصات.«يرى الحياة باللون الوردي» قد تحمل نقدًا: أنه متفائل أكثر من اللازم، ويرى الواقع أجمل مما هو عليه.
ولهذا جاءت صورة «النظارة الوردية» موفقة جدًا: الواقع نفسه لم يتغير؛ الذي تغير هو العدسة التي تنظر من خلالها إليه. وهذا بالضبط هو المعنى الذي ما زلنا نستعمله حتى اليوم.
وإذا أحببت، فهناك قصة أعمق ومثيرة للاهتمام عن كيف اكتسبت الألوان معانيها النفسية: لماذا الأسود للحزن، والأحمر للخطر والحب، والأخضر للأمل، والأبيض للنقاء؟ وبعض هذه الارتباطات أقدم وأغرب مما نتوقع.
ولأن الإجابة فتحت بابًا آخر للفضول، طلبت منه أن يحدثني أكثر عن دلالات الألوان، فكانت هذه الإضافة:
جميل. إذا نظرنا إلى لغة الألوان نجد أن كثيرًا من دلالاتها ليست نابعة من اللون نفسه، بل من ثلاثة مصادر متداخلة: الطبيعة، والجسد، ثم الثقافة. ولهذا تتشابه بعض الدلالات بين الشعوب، بينما تختلف أخرى اختلافًا كبيرًا.
اللون الدلالة الشائعة ، لماذا؟
🔴 الأحمر، الدلالة الشائعة: الحب، الخطر، القوة ، لماذا؟ الدم، النار، احمرار الوجه
⚫ الأسود، الدلالة الشائعة: الحزن، الموت، الهيبة ، لماذا؟ الظلام والليل وغياب الرؤية
⚪ الأبيض، الدلالة الشائعة: النقاء، السلام، البراءة ، لماذا؟ الضوء والنظافة، ثم عززته التقاليد
🟢 الأخضر، الدلالة الشائعة: الحياة، النمو، الأمل ، لماذا؟ النبات والربيع وتجدد الأرض
🟡 الأصفر ، الدلالة الشائعة: البهجة، وأحيانًا المرض والحسد ، لماذا؟ الشمس والذهب من جهة، وشحوب الوجه من جهة أخرى
🔵 الأزرق، الدلالة الشائعة: الهدوء، الثقة، الاستقرار ، لماذا؟ السماء والماء واتساع الأفق،
🩷 الوردي، الدلالة الشائعة: الرقة، الجمال، التفاؤل ، لماذا؟ الورد ونضارة الوجه والشباب،
لكن هناك ثلاث حالات تكشف لنا القصة بصورة أوضح:
1. لماذا الأحمر للحب وللخطر معًا؟
لأن الأحمر من أكثر الألوان إثارة للانتباه، وله روابط جسدية مباشرة: الدم، النار، احمرار الوجه، الانفعال.
فالمشترك بين الحب والغضب والخطر ليس المعنى، وإنما شدة الاستثارة. ولهذا استطاع اللون نفسه أن يقول: «أحبك» على وردة حمراء، وأن يقول: «قف!» في إشارة المرور.
وهذا مثال جميل على أن اللون لا يحمل معنى واحدًا ثابتًا.
2. الأخضر: لماذا هو لون الأمل؟
هنا العلاقة بالطبيعة أوضح: الأرض الميتة بعد الشتاء تخضر فتعود إليها الحياة. ولذلك أصبح الأخضر رمزًا للنماء والتجدد والخصوبة.
لكن المثير أن دلالته تختلف ثقافيًا. ففي الثقافة الإسلامية اكتسب الأخضر منزلة خاصة أيضًا، لوروده في القرآن في وصف لباس أهل الجنة ومتكآتهم: ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾، و﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾.
بينما في الإنجليزية مثلًا نجد green with envy: «أخضر من الحسد»!
أي أن اللون الذي يوحي لنا بالنماء والخير قد يستدعي عند متحدث بالإنجليزية معنى سلبيًا تمامًا.
3. والأغرب: الأبيض والأسود
نحن معتادون على:
الأبيض = الفرح والنقاء
الأسود = الحزن والموت
لكن هذا ليس قانونًا إنسانيًا عامًا.
في أجزاء من شرق آسيا ارتبط الأبيض تاريخيًا بالحداد والموت، بينما أصبحت ملابس الزفاف البيضاء في الغرب تقليدًا قويًا خصوصًا منذ القرن التاسع عشر.
وهنا نصل إلى الفكرة الأهم:
نحن لا نرى الألوان بأعيننا فقط؛ نراها أيضًا بذاكرتنا الثقافية.
فالإنسان يرى الأحمر بصريًا مثل غيره تقريبًا، لكن المجتمع يعلمه ماذا يعني الأحمر. والطبيعة تعطي البذرة الأولى للمعنى، ثم تأتي اللغة والدين والعادات والأزياء والفنون والإعلانات فتراكم فوقها طبقات من الدلالات.
وهذا يعيدنا إلى سؤالك الأول عن «الحياة الوردية»: الأرجح أننا لم نختر الوردي بعد مقارنة عقلانية بينه وبين الأخضر والأصفر، بل ورثنا استعارة لغوية تشكلت تاريخيًا في ثقافة أخرى، ثم أصبحت طبيعية في العربية إلى درجة أننا لم نعد نشعر بأنها استعارة وافدة.
وهناك جانب أظنه أكثر إثارة من هذا كله: بعض دلالات الألوان التي نظن أنها ضاربة في القدم حديثة جدًا؛ وأشهر مثال أن «الوردي للبنات والأزرق للأولاد» ليس قاعدة تاريخية قديمة كما قد نتصور، بل مرّ بتحولات لافتة خلال القرنين الأخيرين.

لم يكن المحتوى من اهتماماتي ،لكن الفضول دفعني للقراءة
ردحذفوانا كذلك ، قرأت المصطلح في سيرة ذاتية فأثار فضولي، واحببت مشاركته
ردحذف