لغة القالب

حين يكون الاجتهاد عبثًا


يملك المرء كامل الحق في أن يجتهد في ماله، فيغامر به في مشروع لم يدرسه جيدًا، أو يبني به عقارًا في مكان غير مناسب، أو يعهد بتنفيذه إلى من لا يحسن التنفيذ، ورغم أننا قد نصفه حينها بسوء التقدير، ونوجه له اللوم، لكنه في نهاية المطاف إنما يتصرف في ماله.

لكن الأمر يختلف حين يكون المال مالًا خيريًا، جُمع من تبرعات الناس، أو خُصص من ريع الأوقاف الخيرية، فهنا لا تصبح النية الحسنة وحدها كافية، ولا يصبح «الاجتهاد» مبررًا مقبولاً لكل قرار.

كنت -ولا أزال- أتعجب من بعض الممارسات التي تعدّ تساهلاً واضحاً في التصرف مع الأموال الخيرية، وكأن وصف العمل بأنه «خيري» يمنح القائمين عليه مساحة أوسع للتجربة والخطأ! مع أن الذي أراه عكس ذلك تماماً.

فالمال الخيري الذي بين يديك ليس مالك، وإنما هو أمانة استؤمنت عليها، والمتبرعون لم يمنحوا القائمين عليها تفويضًا مفتوحًا ليجربوا بها ما يشاؤون، وإنما دفعوها لتحقيق غرض محدد، بأفضل طريقة ممكنة، وهم يفترضون أن كل إنفاق سيسبقه عمل فني دقيق، وفحص ناف للجهالة.

وفي اعتقادي أن الاجتهاد في المال الخيري إذا لم يكن مستنداً إلى معرفة وخبرة ودراسة فنية كافية، فإنه يتحول -مهما حسنت النوايا- إلى لون من العبث المذموم.

وللعبث في هذا السياق صور عديدة، منها على سبيل المثال:

أن تقرر جهة خيرية إنشاء وقف عقاري، ثم تكتشف بعد اكتمال بنائه أنها اختارت المكان الخطأ، او المشروع الخطأ، أو أنه لايوجد من يستأجر هذا الوقف مثلا.

أو يتم البدء بمشروع يكلف مبالغ طائلة، اعتمادًا على دراسة جدوى متعجلة، أو دراسة أعدها من لا يملك الخبرة الكافية.

أو يتم الاجتهاد في تخفيض تكلفة الإنشاء باستخدام مواصفات فنية رديئة، تضر بمستقبل المشروع.

أو يقام المشروع مع مخالفات واضحة للأنظمة تحت زعم ان ذلك يصبّ في مصلحة المشروع مما يتسبب في إيقافه وتعطيله.

أو يبنى مسجد بجوار آخر، أو في مكان غير مأهول.

وقد تكون تلك القرارات اتخذت بحسن نية، ومن أناس يريدون الخير فعلًا، غير أن حسن النية لا يصلح الخطأ الفني، ولا يعيد المال الذي أُهدر.

كما أن صلاح الإنسان وحسن نيته لا يعنيان بالضرورة صلاحيته لكل مسؤولية، ولا سيما ما تعلق بحقوق الناس وأموالهم، ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه حين طلب الولاية، فقال له النبي ﷺ: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة».

ولست أدعو هنا إلى تقييد العاملين في القطاع الخيري حتى يعجزوا عن اتخاذ القرار، ولا إلى إشاعة الخوف من التجربة والمبادرة؛ فالعمل لا يتقدم دون قرار، والتطوير لا يحدث دون تجربة، وبعض القرارات ستخطئ مهما بلغت جودة الدراسات المسبقة لها.

غير أنني أفرّق بين الخطأ الذي يقع بعد بذل الوسع، والخطأ الذي كان يمكن تجنبه بأبسط قواعد العمل المهني، فالأول منهما جزء من طبيعة العمل، وأما الثاني فليس من المقبول أن نضعه تحت مظلة "الاجتهاد".

فحين تريد بناء وقف عقاري، فاختيار الموقع عمل متخصص، وحين تريد استثمار ملايين الريالات، فدراسة الجدوى عمل متخصص، وحين تنشئ مستشفى أو مدرسة أو مركزًا اجتماعيًا، فدراسة تكاليف التشغيل والاستدامة عمل متخصص، والنية الصالحة لا تحول غير المختص إلى مختص.

وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية..

وهي أن كون المال خيريًا أو كون القائم على المشروع متطوعًا، أو محسنًا، أو ممن عُرف عنهم حب الخير؛ لا ينبغي أن يمنحه حصانة من السؤال: لماذا اخترتم هذا المشروع؟ وكيف اتخذ القرار؟ ومن أعد الدراسة؟ وما البدائل التي درست؟ ولماذا ارتفعت التكلفة؟ وهل تحقق الهدف الذي أنفق المال من أجله؟ 

هذه الأسئلة ليست إساءة ظن، ولا تشكيكًا في نيات العاملين، ولكها بكل بساطة جزء من الأمانة.

ومن الشواهد النبوية البليغة في هذا الباب قصة ابن اللُّتبيّة، حين استعمله النبي ﷺ على الصدقة، فعاد فقال: «هذا لكم، وهذا أُهدي لي»، فلم يجعل النبي ﷺ حسن الظن بالعامل مانعًا من مساءلته، بل أنكر عليه وبيّن أن ما يأتي الإنسان بسبب ولايته وعمله لا يعامل معاملة ماله الخاص. فالثقة لا تلغي الرقابة، والأمانة لا تعفي من المساءلة

لقد تجاوز العمل الخيري -أو ينبغي أن يكون قد تجاوز- المرحلة التي تكفي فيها النوايا الطيبة لإدارة المشاريع الكبيرة، فمئات الملايين التي تنفق على الأوقاف، والمباني، والمشاريع التنموية والخيرية، تحتاج مع صدق النية إلى جودة القرار، ومع الحماس إلى التخصص، ومع المبادرة إلى الدراسة، ومع الثقة إلى الرقابة والمحاسبة.

ومن هنا أدعو نفسي وزملائي وأساتذتي العاملين في القطاع، والملتحقين به، أن نستشعر جميعاً المسؤولية الملقاة علينا، والأمانة التي تحملناها، وأن نعيد النظر في طريقة اتخاذنا للقرارات المتعلقة بالأموال والمشاريع، ذلك أن الحرص على المال الخيري لا يكون بحمايته من السرقة والتعدي – وهو أمر مهم- فحسب، وإنما بحمايته من القرارات المرتجلة، والاجتهادات غير المدروسة.

وأنا أدرك انني أتحدث عن ممارسات "محدودة" ولا يمكن تعميم ذلك على القطاع، أو اعتباره حكماً على الأغلبية، إذ الرشاد هو السائد، والانحراف هو الشذوذ.

وأختم بالشكر الوافر الجزيل، والامتنان الكبير لكل العاملين بكل إخلاص وجدّ في هذا القطاع، الذين يبذلون الغالي والرخيص، ويقتطعون الكثير من أوقاتهم وجهودهم واهتمامهم لخدمة المستفيدين، ويبذلون كل ما في وسعهم لأداء الأمانة، فبمثلهم تستمطر الرحمات، ويبقى الخير في هذا المجتمع المبارك.

دمتم بخير

محمد بن سعد بن عوشن

الرياض - حرسها الله -

7 ربيع الثاني 1448


6:08 م

عدد المواضيع