12:49 ص

الأدلجة .. والخبر


من الطبيعي أن تدخل الأدلجة في المقالات والتحقيقات والأعمدة الصحفية .
لكن السؤال المهم : هل يمكن دخول الأدلجة على الأخبار ؟
والجواب : نعم، ويكون ذلك كما يلي :
1 - عندما تتحرك مظاهرة لا يتجاوز أفرادها العشرات ولا تمثل سوى أقلية قليلة من الناس، فإن بعض الفضائيات قد تنقل التظاهرة في بث حي ومباشر وتتناول هذا الحدث في تقاريرها الإخبارية بالتفصيل، بل لربما استضافت أحد قادة هذا التجمع لتوضيح أفكاره وأيدولوجيته التي يدعوا إليها.
2 - عندما تتحرك مظاهرات بالألوف المؤلفة لقضية من القضايا، ثم تتعامى العديد من وسائل الإعلام عن ذلك (الحدث) الخبر، وإذا اضطرت بعضها لنقله، فيأتي في سياق سريع، وربما بصيغة منكرة بنسبته إلى جماعة ما بدون ذكر اسمها ! ثم لا تستضيف أحدا من هذا التجمع أو الحركة أو الحزب للتعليق على الحدث، بل و لربما استضافت من يخاصمهم أو من هو مستعد لمخاصمتهم بأجر وبدون أجر!
3- عندما يعتصم العاطلون عن العمل، فهذا، من حيث المبدأ، يعتبر حدثاً، ولكن منطق الأيديولوجيا في وسائل الإعلام يقول غير هذا، فقد يتم حجب هذا الحدث وتجاهله كأنه لم يكن، فهو بهذا المنطق ليس حدثاً، أو حدث عاطل وفارغ.
ولكن حين يتم عرض هذا الحدث كخبر في جريدة أو إذاعة أو حين يتم تغطيته في نشرة أخبار تلفزيونية فإن الأيديولوجيا تكشّر عن أنيابها بصورة سافرة، ولنفترض أن هذا الاعتصام قد انتهيا بتدخل رجال الشرطة وقد تخللهما عنف وتخريب. فعندئذ يمكننا أن نجد صياغات خبرية بهذه العناوين الرئيسية:

* الأيدييولجيا الإعلامية (حين تكون ضد الاعتصام) :
- الشرطة تنهي اعتصام المخربين
- هجوم أمني على مثيري الشغب
- الشرطة تضع حداً لفوضى الاعتصامات
- كبح الفتنة والدهماء
- الشرطة تنجح في سحق المخربين وتجمعات العنف
وفي التغطية التلفزيونية يمكن عرض الحدث بعد المونتاج وتوضيب اللقطات بصورة تجعل المعتصمين معتدين ورجال الشرطة محاصرين أو مدافعين عن أنفسهم.

* الأيدييولجيا الإعلامية (حين تتوافق مع الاعتصام):
إلا أن هناك إمكانية أخرى تسمح بعرض هذا الحدث بصورة متعارضة مع السابق، إذ يمكن توضيب الشريط بصورة تجعل رجال الشرطة المدججين بالأسلحة هم من يبدأ الاعتداء على المعتصمين بصورة سلمية، وبدل التغطيات الخبرية السابقة يمكن أن تتصدر الصحف عناوين رئيسية مثل:
- الشرطة تعتدي على اعتصام سلمي
- همجية الشرطة تحول الاعتصام إلى معركة
- اعتصام سلمي ينتهي بالعنف
- رجال أمن أم عصابة متعطشة للعنف

هذا مثال لتغطية إعلامية نجدها يومياً في الصحف والفضائيات، ويمكن التذكير بأمثلة كثيرة ويومية. وكل هذه الأمثلة تكشف أن ما يصدر عن أجهزة الإعلام ليس تلقائياً ولا هو نقل أمين لما جرى ويجري في الواقع، بل إن أجهزة الإعلام لا تختلف عن أي "جهاز إيديولوجي" يراعي قواعده وأعرافه ومصالحه الخاصة بدرجة أكبر مما يراعي "الواقع" الذي تقوم هذه الوسائل بتغطيته أي بكشفه وحجبه، و بنقله وستره في آن واحد.

إذاً .. الأخبار تتم أدلجتها قطعاً ..

والسؤال هنا : كيف تتم أدلجة الخبر الصحفي؟
تتم الأدلجة من خلال عدة وسائل؛ ومنها:
(1) اجتزاء المعلومة، فيذكر جزء منها، ويحذف جزء أخر في غاية الأهمية، قد يختلف معه فهم القارئ لذلك الخبر.
(2) فصل المعلومة عن سياقها الطبيعي، وتوضع في سياق آخر، يخـدم أيدلوجية معينة، ويؤدي إلى فهم هذه المعلومة على غير وجهها.
(3) إدخال الرأي الشخصي على الخبر بما يحقق نفس الهدف، ومعلوم أن من أهم الاشتراطات الفنية في الخبر عدم تضمنه للآراء الشخصية.
(4) التركيز على سلبيات أشخاص أو جهات معينة، تستهدف تلك الأيدلوجية الحد من سلطتها أو تقليل شعبيتهم أو تحقيق نوع الانتصار المرحلي أو الاستراتيجي عليهم.
(5) الكذب في أصل الخبر أو في أجزائه – وهو أكثر - لتحقيق نفس الغاية.
(6) التلاعب بالمصطلحات والمفردات بطريقة يتغير معها المعنى المقصود.
(7) إبراز سلوكيات أو شخصيات أو جهات معينة تحمل نفس الأجندة الفكرية المراد الترويج لها، ودعمها، بغض النظر عن مدى حضورها الفعلي على المستوى الشعبي.

أمل وتطلع:
أتمنى أن نترك الأخبار تعبر بذاتها عن مدلولاتها دون محاولات تطويع أو قسر لها لصالح إيديولجيات معينة، حتى وإن كانت تلك الأخبار تدعم اتجاهاً معيناً لا نرغب به، فما من خبر إلا ويتضمن تعزيزاً أو معارضةً لهذه الأيديولوجيا أو تلك، وواجبنا كإعلاميين؛ هو نقل الحقيقة كما هي للرأي العام، وإن كان لدينا أراء معينة موافقة لمضمون الخبر أو معارضة؛ فلتكن منفصلة عن الخبر.



__________________________
مستخلص من مقال : كيف تتحكم أجهزة الإعلام فينا؟ للكاتب : د. نادر كاظم