11:51 ص

التوقف عن كتابة التاريخ

لا يستطيع الجيل القادم أن يعرف الكثير عن مجريات الأمس واليوم، ولا حكاياته، وأحداثه المفصلية، ولا يعرف عن محطات التحول التي عاشها المجتمع والعمل الخيري، ولذا فإنه سوف يكرر الكثير من الأخطاء التي وقع فيها من سبقه، وسيكون بعيداً عن سير الرواد الأوائل، وأهل التميز والنجاح الذين كافحوا ونافحوا وشقّوا الطريق لأول مرة، واستطاعوا نقل العمل من أطر التقليدية إلى آفاق أوسع وأرحب، سيبدأ الجيل الجديد في تلمس الطريق مرة أخرى بجهد جهيد، ويبحث عن القدوات فلا يعرفها وإن عرفها لم يجد عنها من المعلومات إلا النزر اليسير.

ولأن التاريخ من أعظم معلمي البشرية، فمنه تؤخذ العبرة من الماضي بهدف فهم الحاضر، ومنهما يتم استشراف المستقبل، فإننا يمكن أن نغيّر في المعادلة، ونصحح المسيرة، ونختصر الوقت، ونوفّر الجهد، وذلك حين نتوجه نحو كتابة تاريخ العمل الخيري، وتقييد وقائعه وأحداثه وفعالياته من وجهة نظر القائمين عليه، وهنا أؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال مشروع موسوعي شامل، وإنما من خلال كتابة كل مجرّب وشاهد على العصر لتجربته وشهادته، وتوثيقها، ونشرها، وإتاحتها للآخرين.

وكما قال ابن خلدون متحدثاً عن التاريخ: “إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات (الحوادث) ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق”.

وإذا لم نقم بكتابة التاريخ الذي عايشناه وتفاعلنا معه بأنفسنا، وإذا لم نتحدث عن نجاحاتنا وإخفاقاتنا ومسبباتها بكل وضوح وشفافية، إذا لم نقم نحن بذلك طواعية واختياراً، فسوف نترك الباب لـ “الآخر” ليعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره القاصرة والمجتزأة، يكتبه وهو إما جاهل به، بعيد عنه، فتفقد الكتابة مصداقيتها، أو مغرض يوجّه الكتابة إلى أهدافه الخاصة، فينتقي من التاريخ ما يوافق توجهاته، وينتزع الوقائع من سياقها، فيتحقق له التشويه أو التضليل أو التلبيس، لنأتي بعد ذلك حاشية على كتابات الآخرين، نحاول الرد، والتبيين، فنتحول من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع ! وما غزي قوم في عقر دارهم إلا هزموا.

وإن من المؤسف – بل المخزي – أن نجد أكثر من يعتني بالكتابة عن تاريخنا وأوثق من يكتبه – من وجهة نظر الكثيرين – هم أقوام من غير بني جلدتنا، ممن لم يعيشوا الواقع بتفاصيله، بل يعجزون عن معرفة الحقيقة لبعدهم، فلا عجب أن تجد حديثهم يخلط السم بالعسل، وأن تجد الصورة النمطية المفتعلة عن العمل الخيري، أو عن تفاصيل المجتمع سارية في أكثر تلك الكتابات، فهي مكتوبة على وجه يختلف مع الحقيقة، ولا يتطابق معها.

إن للعمل الخيري تاريخ مشرق، وبصمات واضحة، وآثار ملاحظة، وقد قام خلال مسيرته الطويلة بالكثير من الإنجازات الضخمة، التي لو كان لدى الآخرين عشر معشارها لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل ذلك فخراً وزهواً، ولذا تجد أن بعضهم يطير فرحاً بخبر قيام أحد المشاهير أو الفنانين ذو العيون الزرقاء بمبادرة خيرية يسيرة جداً، فيرويها بكل إعجاب وإخبات، ويتساءل بكل جهل: أين نحن من أمثال هذه المبادرات؟ أين مجتمعنا “المسلم” عن هذه الأفعال المباركة، وما علم المسكين أن المبادرات الخيرية في بلادنا أوسع انتشاراً وأكثر إبداعاً وأعظم أثراً من تلك الأفكار الصغيرة التي طار بها.

ولست أوجه كل اللوم لهذا ولأمثاله بقدر ما أوجهه للذين كان بإمكانهم القيام بالكثير فلم يفعلوا، كان بإمكانهم تقييد التاريخ المشرّف للعمل، وحكاية القصص الرائعة فلم يفعلوا، فتركوا التدوين الثابت والمستقر من خلال الكتابة العلمية والمتزنة والمنشورة، ومن خلال التأليف، تركوه وانصرف بعضهم إلى التوثيق “المؤقت” من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ظاناً أنه بذلك يحقق الهدف، وهو الأمر الذي ستكون نتائجه الكارثية بعد سنوات محدودة حين تزول الكثير من تلك الشبكات والتطبيقات، وينخرط الناس في سواها، كما وقع مع المنتديات الحوارية التي كانت مملؤة بالكتابات الناضجة والمفيدة، فزالت شيئاً فشيئاً حتى لا تجد لها ذكراً، بل إن الكثير من مواقع الإنترنت للجهات والأفراد سوف تصبح شيئاً من الماضي، وتزول عن المشهد لعدم الحاجة لها، أو لإشكاليات فنية أو إدارية أو مالية تعترضها مع مرور السنين، حين تزول تلك الشبكات والمواقع، سنكتشف أننا عشنا وهم التوثيق لا التوثيق.

سيذهب ذلك كله ويبقى الكتاب المطبوع، والمقال المنشور على نطاق واسع أ كثر قدرة على البقاء من سواه، سيبقى قابلاً للنشر وإعادة النشر، قابلاً للطباعة والتداول والاحتفاظ، سيبقى مرجعاً يمكن العودة إليه كلما دعت الحاجة.

ومن هنا فإنني أحثّ الجميع على التدوين والكتابة، وعدم انتظار الكمال الموهوم، والبدء بالمتيسر، وتحسينه بعد ذلك، وأرجوا ألا يكون حالي كحال دريد بن الصمة حين كان يقول لقومه:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan