10:19 م

مناطق الفراغ

من السمات المشاهدة في قطاعنا الخيري المبارك أن نرى رواداً ومميزين يبحثون عن مناطق الفراغ التي لم يتم استهدافها من قبل، ولم تتزاحم عليها الأقدام، فيتوجهون إليها، ويكونون هم الرواد الأوائل فيها، ويجري الله على أيديهم الكثير من الخير.

وقد تكون مناطق الفراغ تلك: مساحات جغرافية لم يتم التوجه إليها من قبل ولم تحظ بالعناية والاهتمام من الآخرين، كما أنها قد تكون فئات من المجتمع تم إغفالها في خضم توسع العمل وانطلاقته، وقد تكون نوعية محددة من الخدمات والاحتياجات التي لم تتم تلبيتها من أي جهة، أو لم يتم خدمتها بالشكل المفترض.

ومهما توقعنا مرة بعد أخرى أن الخدمات والمشروعات قد شملت الجميع، وأنه لم يترك الأول للآخر شيئاً، إلا أن الواقع يثبت أن توقعاتنا في غير محلّها، ذلك أننا في الحقيقة - حين نفكّر- فإننا نفكّر ونحن مأسورون بالواقع الذي عايشناه، والتجارب التي مررنها بها، ونعمل على محاكاة نجاحات الآخرين، ولا نجاوزها إلى أفق أوسع.

وما إن تنطلق أحد الجهات في مشروع يتناول مجالاً جديداً، أو شريحة جديدة، فتحدث أثراً مختلفاً، ودويّاً واسع النطاق، حتى نتساءل في أنفسنا: كيف غفلنا عن هذا المجال؟، وكيف فاتنا الانتباه إلى هذا الاحتياج رغم أنه يبدو واضحاً مع قربنا واطلاعنا؟

إن اكتشاف الاحتياجات التي لم تتم تلبيتها، والعمل على إشباعها وسدّها، لا يحصل بالسير خلف الآخرين، وتكرار تجاربهم، وإنما يحصل من خلال عمليات تكشيف واسعة النطاق، تشمل الزيارات الميدانية للمناطق والمدن والهجر، والاطلاع على التجارب الدولية المختلفة الثقافات، والالتقاء بالقيادات والخبرات في الميدان للسماع منعهم، ، ومقابلة ذوي الاحتياج والإنصات إلى تفاصيل معاناتهم وما يفتقدونه، وتمسّ حاجتهم إليه، والقراءة والمشاهدة والاستماع لما يحصل في العالم كله، وجلسات العصف الذهني ومجموعات التركيز المكوّنة من أشخاص مختلفي الاهتمامات والتخصصات والميول، ورسم خارطة العمل ومعرفة أماكن تموضع الجهات الأخرى، ومدى تشبّع بعض المجالات واكتفائها.

ويحتاج مساراً كهذا إلى عقليات متّقدة، ومبتكرة، وجريئة، وواعية، يمكنها أن تقود العمل في تلك المناطق، وتخوض غمار التجربة الأولى رغم كل صعوباتها، وضبابيتها، واحتمالات الفشل الكبيرة فيها.

و"العمل في مناطق الفراغ" هو ما يطلق عليه  "استراتيجية المحيط الأزرق" وتعني العمل في المواضع التي تكون فيها المنافسة معدومة أو غير مكتشفة بعد، وهو عكس المحيط الأحمر الذي يشير إلى المواضع المألوفة التي تكون فيها المنافسة شديدة، وتقوم فكرة هذه الاستراتيجية على أنه ليس من الضروري للمنظمة التي تريد تحقيق النجاح في مسيرة حياتها العملية أن تحتل مركزاً تنافسياً قوياً، بل يمكنها أن تحرز النجاح دون منافسة، بأن تتبنى العمل في أسواق جديدة، أو تقوم بطرح منتجات بديلة لا تجذب المنافس إليها، وأن "أفضل طريقة للتغلب على المنافسين هي التوقف عن منافستهم".

ما أجمل أن تلتفت كل منظمة إلى موضع تمركزها، وتراجع مسيرتها، وتسعى لفتح مجالات خيرية جديدة، من خلال التوقف عن دعم الخدمات التي يتنافس عليها كل المانحين رغم أن المستفيدين لم يعودوا يشعرون بقيمتها، وتقليل الدعم الموجه للمشروعات التي تكلف كثيرًا بينما لا تحقق أثراً يوازي ما يبذل فيها، وزيادة الدعم المخصص للخدمات الحالية التي لازالت الحاجة لها ماسة،  وتخصيص موارد كافية للمبادرات المبتكرة التي يمكن تقديمها والتي لا يهتم بها الآخرون، وهو الأمر الذي من شأنه أن  يحدث قفزة كبرى في مجال الخدمات المقدمة للمجتمع، وتحقيق طفرة في النتائج، ومستويات غير مسبوقة من الربحية -وهي حصول الأثر، والوصول إلى حلول غير تقليدية للمشكلات الأكثر انتشاراً.

فهل يمكنك المساهمة في مراجعة توجّه منظمتك مجدداً، والتفكير من خلال استراتيجية "المحيط الأزرق"؟

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن
النماص

  21 شوال 1442