9:23 ص

الاحتساب اللغوي

        حين تحدّث الفرنسي إيرنست أنطوان -نيابة عن التجار الأوروبيين- في قمة الاتحاد الأوروبي عام 2006 بالإنجليزية،  قاطعه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد أول جملة قائلاً: (لماذا تتكلم بالإنجليزية؟) فردّ عليه أنطوان قائلاً : (لأنها لغة التجارة)، فخرج شيراك مع وزير خارجيته وماليته من المؤتمر مغضبين، فلما  سأله الصحفيون عن سبب خروجه قال لهم: (إنما راعني أن أرى فرنسيا يتكلم بغير الفرنسية، فخرجت كي لا أستمع الى من لا يحترم لغته).

وفي السياق ذاته نص القانون الفرنسي الصادر عام 1794م على أن "اللغة الفرنسية" هي "الأمة الفرنسية"، وأنشأت الحكومة لجنة عليا، كانت مهمتها "تطهير" اللغة الفرنسية من المفردات الدخيلة، والرقابة على الإعلام والجهات المختلفة للتأكد من التزامها بالفرنسية بشكل دقيق.

        وأصدر مجلس الدوما الروسي قراراً يعتبر إتقان "اللغة الروسية" شرطاً للمواطنة، تخوفاً من تأثر الروس باللغات العالمية، كما حرصت الصين، واليابان على الاحتفاظ بلغاتهم وعدم التنازل عنها رغم كل الصعوبات التي تكتنفها، وكذلك فعلت بقية الدول الأوروبية، فلم يحاولوا استخدام اللغة الإنجليزية للتفاهم بينهم داخل الاتحاد الأوروبي رغم معرفة كثير منهم لها، بل استمر حديث كل أهل لغة بلغتهم، فكان المجلس سوقاً رائجاً للترجمة والمترجمين.

        وفي هذا الوقت الذي تتنادى فيه الأمم والشعوب للحفاظ على لغاتها، والتمسك بها، وحمايتها، فإن فئاماً غير قليلة من مجتمعاتنا العربية الأصيلة أخذت في التخلي عن لغتها العربية – شيئاً فشيئاً -  لصالح اللغة الإنجليزية، ولم يعد غريباً أن تكون اللافتات، والعروض التقديمية، والملتقيات، والمؤتمرات، ومعرّفات شبكات التواصل، والأفلام التعريفية، والمواقع الإلكترونية، والنشرات والقوائم، وبطاقات العمل، وسواها باللغة الإنجليزية أو بالفرنسية مع أنها تقدّم لجمهور "العرب" في مجتمع "العروبة"، ورغم كل ما تتمتع به لغتنا العربية من سعة المفردات، وثراء المعاني، وجمال الجرس وعذوبة الألفاظ، فضلاً عن الأصالة والعراقة التي لا تجدها في لغات العالم أجمع، غير أن عقدة "النقص" الملازمة تجعل المرء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويقبل بترك اللغة العربية للتحوّل إلى غيرها!

        بل بات مطلوباً من طالب الدراسات العليا – حتى في التخصصات العربية والإسلامية – أن يحصل على درجات مرتفعة في الاختبارات القياسية للغة الإنجليزية، في الوقت الذي لا يتم فيه السؤال عن إتقان الطالب للغته الأم، اللغة العربية! 

        وما من شك أن صيانة وحماية اللغة العربية، بوصفها أحد معالم الهوية المجتمعية، والعناية بالحفاظ عليها، والالتزام بها، والانضباط وفقاً لأسسها الأصيلة - كونها لغة القرآن والسنة - أمر في غاية الأهمية، وهو "فرض كفاية" يجب على المجتمع أن يتنادى إليه، مما يستدعي أن ينتدب أفراد منّا أنفسهم لهذه المهمة النبيلة، وأن نكون أحرص من بقية الناطقين باللغات المختلفة على التمسك بها والدفاع عنها، و "الاحتساب" في ذلك. 

        وأن نسعى لإنشاء المجالس واللجان الحكومية المتعددة، والتي تشرّع وتضبط وتحاسب، كما أن علينا المبادرة إلى إيجاد جهات غير ربحية، ومنظمات خيرية، وفرق تطوعية، تجعل رسالتها الوقوف على كل مخالفة، وإعلانها، وتنبيه المخالفين، بل والرفع بهم للجهات المعنية، وأن يتم تفعيل المجتمع برمّته للتطوع في هذه المهمة، فيكتبون ويرسلون ويتواصلون حينما يرون مظهراً من مظاهر تهميش "العربية"، فيكون الضغط المجتمعي بالإضافة إلى الضغط التشريعي والحكومي عاملان مهمان في الحفاظ على هوية المجتمع ووقايته من الذوبان في الآخر، وتلك رسالة عظيمة جديرة بالاهتمام.

        دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

9 / صفر / 1442 هـ