9:26 م

سنوات مع المانحين (1)


حين أكتب عن "العمل المانح والخيري"، فذلك لا يعني بحال أنني أفضل من يتحدث في هذا المجال، ولا أن أكون أكثر العاملين فيه خبرة أو أكبرهم سناً، فالأمر بكل بساطة لا يعدو أنني أنني خلال تلك السنوات الجميلة التي قضيتها في "العمل المانح" تعلمت الكثير والكثير، ورأيت أن زكاة هذا العلم يكون بنشره، لتعظيم الفائدة، وتحقيق النفع.


ولعلي لا أبالغ إن ذكرت أن ما تعلمته في تلك السنوات القليلة في العمل المانح كان أعمق وأثرى وأفضل مما تعلمته خلال عملي في القطاع الحكومي – رغم تعدد مواقعه - والذي قارب العشرين عاماً.

لقد يسر لي العمل المانح الاطلاع على مئات المشاريع الخيرية في مختلف المجالات، ومختلف المناطق وبمختلف الأساليب وأتاح لي الجلوس مع كثير من العاملين في القطاع الخيري والاستماع إليهم، ومحاورتهم، ومعرفة الكثير من الصعوبات التي تعترضهم، وكنت في كل لقاء استفيد علماً جديداً وأتعرف على أساليب حديثة، وطرائق تفكير مختلفة.

وكان وجودي هناك يشكل فرصة عظيمة لنفل الخبرات بين جهة خيرية وأخرى، فكان دور المشرف في العمل المانح، السعي لنقل نجاح هذه الجهة لتلك، وإفادة هذه الجهة بأسلوب حل المشكلة التي طبقته الجهة الأخرى، والإشارة للتجارب الناجحة والفاشلة التي سبقت بهدف إطلاع الزوار عليها لمعرفة المسببات والاستفادة منها.

كما أن العمل المانح قدم لي خدمة كبرى، إذ تعلمت فيه الكثير من المفاهيم الإدارية، تعلمتها نظرياً وتطبيقياً، فقد كنت أثناء عملي الحكومي أسمع بالتخطيط الاستراتيجي والتشغيلي، وأفضل الممارسات، والقياس، والتقويم، والجودة، وكانت في أغلب الأحايين مجرد مصطلحات رنانة تستخدم في التعاميم والكلمات والخطابات المختلفة، ولا تتجاوز ذلك إلا في وريقات ونماذج يتم تعبئتها كيفما اتفق لأداء الواجب وتحلة للقسم فحسب.

لكنني في العمل المانح سمعت ورأيت وطبقت ذلك، وكان العمل يسير فعلاً وفقاً لخطط متقنة ومحاسبة دقيقة، ومعايير للجودة، وقياساً منتظماً، واستخداماً للكثير من الأدوات العلمية بشكل دقيق، من خلال خبراء ومتخصصون في كل مجال بحسبه.

رأيت الاجتماعات الفاعلة كما لم أرها من قبل، رأيت أمانة الاجتماع وكيف تمارس دورها الفاعل في وضع جدول الأعمال وإرساله للمشاركين مع أوراق العمل قبل الاجتماع بمدة، ثم قراءة المحضر السابق في بداية كل اجتماع، والالتزام بجدول الأعمال المحدد سلفاً، وحسن إدارة الحوار، وتعدد جهات النظر مع بقاء الود والمحبة، رأيت اهتماماُ بالعمل وتفانياً فيه، و قدرة عالية على إبداع الأفكار الرائدة.

تعاملت مع "قامات كبيرة" داخل العمل المانح، وداخل القطاع الخيري، وتصاغرت نفسي أمامهم، أمام همتهم العالية، ووضوحهم وتواضعهم، وعظيم إنجازاتهم التي يقدمونها خدمة للمجتمع بصمت.

ولكل ماسبق فقد أحببت أن لا أفوت فرصة تقييد هذه التجربة لعلها أن تكون تثبيتاً لتلك الفوائد ولأختصر على غيري مشوار التعلم.

وهو حديث متواصل لا تنقصه بعض الصراحة "الموجعة أحياناً" وكأنها مبضع الجراح الذي يؤلم لكي يداوي .