3:06 م

إنّه طريقك المؤكّد يا هذا!

 من غير شك أن الواحد منا يؤمل كثيرا، ويعيش ويخطط وكأن العمر سيمتد به طويلاً، مع أنه ربما كان الأجل أقرب إليه من شسع نعله، وربما كان الموت يترقبه في منعطف الطريق التالي.. لكن الإنسان بطبعه وجبلّته يطيل الأمل، ويظن أن سواه هو المعرّض للموت بأي من أسبابه. 

فنظرية الناجي الوحيد تلازمه وهو يراقب جموع الموتى وهي تغادر الدنيا رغم أن منهم من هو أصغر منه سنا وأصح منه بدنا، وأبعد عن مسببات الموت منه، وقديما قال الشاعر (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل).

فقد كتب الله على النفوس أن تغادر الدنيا رغم كل ما بنت وشيدت وصنعت وجمعت وخططت وتعلمت..

وكم شاهدنا من يموت بعد أن شيّد دارا رائعة ولم ينزل بها بعد، ومن يموت وقد حصل على شهادة عليا -بعد سفر وكد وكدح - وهو لم يتوظف بها بعد، ومن يموت وقد عُيّن في وظيفة طالما انتظرها ولم يباشر العمل فيها بعد، ومن يموت وهو في ثوب زواجه، أو لم يبق على حفل زفافه إلا أياما قليلة.

إن التحسر على الموتى الذين تصرّمت أعمارهم، وتخطفهم الموت، والتوقف عن التخطيط أو العمل بانتظار ذلك الموت الذي قد يطول مجيئه، أو الخوف الشديد من الموت الذي تقصر به الأحلام، وتترك به الأعمال، كل ذلك لا يصنع شيئا للمرء، بل يحوّله من السعادة إلى الكآبة ومن البهجة إلى الحزن.

فالموت حق، وهو نهاية كل حيّ، وطريق لكل البشر، بكل أجناسهم وألوانهم وأمصارهم،  وإنما يتفاوت الناس في المكان والزمان والطريقة فحسب.

ومع ذلك فالمؤمن مأمور – مادام حيا - بعمارة الأرض، وعبادة الله، وفعل الصالحات، والإحسان إلى الخلق، والبقاء على الإيمان بالله، حتى إذا أتت إليه المنية لم يمت إلا وهو مؤمن بربه، يرجو رحمته، ويخاف عقابه، ويحسن الظن به سبحانه.

والموت ليس النهاية يقينا، بل هو البداية الفعلية للحياة الحقيقية، التي تبدأ بالحياة البرزخية في القبر، ثم الحياة الدائمة السرمدية في الآخرة، إما في الجنة أو النار، وكلا الحياتين البرزخية والأخروية إنما توضع أسسها وتبنى قواعدها، ويحدد المصير فيها أثناء هذه الحياة الدنيا القصيرة زمنيا، فمن أحسن في حياته الدنيا فمصيره في الآخرة بات معروفا ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

إن موقفنا تجاه الموت يجب أن يكون باستحضاره دافعا للمزيد من العمل، ومراقبا للمسيرة، ومشجعا على الاستزادة من الصالحات، وعمارة الأرض بما يرضي الله، حتى ولو قامت القيامة على المرء وفي يده "فسيلة" من النخل "فليغرسها" لأن الغرس بذاته عمل صالح، ونية طيبة، وأما النتائج فهي عند الله.

أسأل الله تعالى أن يجعل أعمارنا مباركة، وخواتيمنا حسنة، وأن يربط على قلوب أهلينا، ويجبر مصابهم، ويصلح لنا آخرتنا ويجعلنا فيها من الفائزين، ويجمعنا مع الأنبياء والصديقين والصالحين وكل أهلينا وأحبتنا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


محمد بن سعد العوشن

السبت 28 ذو الحجة 1442
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
خلوة السبت