12:57 م

قوة الأدوات البسيطة

يتوقع البعض أن إحداث التغيير الشخصي أو المجتمعي مشروط ومرتبط -دوماً- بالإمكانيات الضخمة، والأدوات الكبيرة، بل وربما التكلفة العالية، والعدد الكبير من الناس..  

وأنا -وإن كنت لا أقلل من تأثير تلك الأمور في ما يتعلق بالتغيير- أعتقد بأننا نستخدم هذا الأمروهذه الحجة في الكثير من الأحيان باعتباره (حيلة نفسية) حيث توهمنا بأن الأمور أكبر من قدراتنا، وأنها تحتاج إلى أضعاف مقدراتنا، الأمر الذي يصيبنا بالعجز والإحباط، فنبرر لأنفسنا السلبية، وترك العمل، ونعتاد القبول بأقل النتائج، تحت ذريعة أننا لا نملك ما يكفي لإطلاق التغييرات الكبرى، في أنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا، فننكص، ونتخاذل، وربما تواصينا بذلك، وجعلناه جزءاً من أدبياتنا المتداولة في مجالسنا.

وحين نتكلم عن إصلاح المجتمع وتوجيهه – على سبيل المثال- في أي جانب من الجوانب(الاجتماعية، أو الصحية، أو النفسية، أو التعليمية،أو غيرها ) فيجب أن لا نتوقع أن يكون ذلك محصوراً في المشاريع المكلّفة بالضرورة، بل قد يكون باستغلال وتوظيف أيسر الأشياء وأصغرها وأكثرها اعتياداً.

ولكي أضع مثالاً عملياً، فإنني أشير إلى (خطبة الجمعة) والتي ينبغي التساؤل عن الكيفية الصحيحة  لتفعيلها لتكون أكثر فاعلية، وتأثيراً، وخدمة للمصلين فيما يحتاجون إليه، ودلالتهم على الخير، وبيان أوجهه، حيث يمكنها أن تُّحدث أعظم الأثر في الوعي ونشر المعرفة،  إذ أن في هذا الحديث الأسبوعي المنتظم (خطبة الجمعة) من المزايا ما ليس في غيرها من التقنيات الحديثة، والأساليب العصرية، فهي رغم اعتيادنا عليها تتميز بمزايا: أولها الاستمرارية، ولا يمكن أن تتوقف لتغير التقنيات أو تطور الوسائل، أو غيرها، وهي - ثانياً - مما يجب على الجميع حضوره، والإنصات للخطيب، ويحرم على الجميع الحديث أو العبث أثناء وقت الخطبة، وهي مميزات لا تتوفر لأي وسيلة إعلامية أخرى مهما عظمت وكبرت!، كما أنها من الشعائر التي تلتزم بها أكثر المجتمعات المسلمة، وتهتم بها، حتى وإن قَصَرَت في أركان وشعائر أخرى.

إن التأمل في سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدرك أنه لم تكن لديهم وسائل استثنائية، غير أنهم يبذلون غاية في الوسع في حدود الممكن، وقد قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) وقال (ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى أسواق قريش وتجمعاتها لينشر دعوته في العالمين، حسب المتاح والممكن، وبدأ بالنطاق الأيسر والمتاح ( وأنذر عشيرتك الأقربين).

وما أريد أن أصل إليه هنا هو أن المطلوب من كل واحد منا أن يقوم بما يمكنه في خدمة مجتمعه، ودينه، ونفسه، وأن يسعى بالوسائل المتاحة، وبهذا يرفع الحرج والإثم عن نفسه، ويكون حينها من المصلحين (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

تأمل في واقعك القريب، وتأمل في قدراتك ومواهبك وإمكانياتك، ثم انطلق نحو تحقيق أهدافك السامية، وتوكل على الله، وإذا حسنت النوايا؛ حلت البركة، والنفع، والتأثير من حيث لا تحتسب.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

28 – 10 – 1445  هـ


0 التعليقات:

إرسال تعليق