لغة القالب

بين "الشعائر" و "المشاريع" . . . حديث لا تنقصه الصراحة


قابلت كثيرين، يتحدثون عن "طموح" عالٍ، وهدف سامٍ، يرتبط بأحد القضايا التي هي محل اتفاق، كالقرآن، أو السنة، أو الصلاة، أو مكة، أو التوحيد، أو ماشابهها من القضايا العظيمة.
وهؤلاء  .. يبنون مشروعاً يحاولون ويسعون - من خلاله - وفقاً لطاقاتهم وقدراتهم وطموحاتهم ورؤيتهم أن يكون إسهاماً فعلياً في تحقيق هذا الطموح، وذلك الهدف، وأن يضعوا بصمة مؤثرة في سبيل خدمة الهدف العظيم.
ثم يبدأ (الخلط) لدى هؤلاء الأفاضل بقصد حيناً، وبغير قصد أحياناً كثيرة، فيتحول مشروعهم ، ومبادرتهم ، وفكرتهم - القابلة للأخذ والردّ - إلى مشروع "مقدّس" أو مشروع "واجب" نظراً لارتباطه بقضية مقدسة أو واجبة.
مع أن هناك فارقاً كبيراً جداً بين الهدف الذي يسعى المشروع لتحقيقه، وهو شيء متفق عليه، 
وبين "المشروع" بوصفه مبادرة من فرد أو أفراد، يمكن قبولها كما هي، ويمكن ردّها بالكامل، ويمكن تعديلها، 
كما أنها يمكن أن تساهم فعلاً في خدمة الهدف العظيم الذي ارتبطت به، ويمكن أن تسيء للهدف بحسن نية، وعدم إحسان للأسلوب، فكم من مريد للخير لم يوفق إليه.

وحتى يكون كلامي أكثر وضوحاً سأطرح أنموذجاً ( تشبيهياً) لمشروع يخلط بين الأمرين.

(الصلاة) مثلا، بكل شرفها وقداستها ومكانتها، هي ركن من أركان الإسلام العظام، والسعي لإقامتها هدف سام، ولا أحد ينازع في أهمية إقامتها والعناية بها، وأولويتها.
لكن "المشروع المقترح لإقامة الصلاة" الذي يطرحه شخص أو جهة لخدمتها، هو جهد بشري قابل للصواب والخطأ.

فالأولى .. (شعيرة)  تُخطب، وكل من اختاره الله فإنه يقوم بعمل يخدمها، والناس يبحثون عنها، ويشرفهم الانتساب إليها.
والثانية .. (مشروع) يخِطب ، ويسعى لإقناع الناس بأنه المشروع الأفضل لتحقيق الهدف، وقد ينجح وقد يفشل في الإقناع، وفي تحقيق الهدف كذلك.

إن مجرد انتساب مشروع ما إلى "الصلاة" لا يعني أنه صحيح، ولا أنه متقن، ولا أنه سيحقق النتائج، ولا أن المنتسبين له بشر من نوع آخر.

إن هذه المشروعات أو تلك تبقى  جهودا بشرية ينتابها ما ينتاب البشر من الضعف والخطأ والزلل..
لذا فالحاجة ماسّة لإقناع المتبرعين بالمشروع، والسعي لإسماعهم تفاصيل المشروع، والاستماع لهم، والأخذ بملاحظات الناس عليه، بغية التصويب والتحسين من أجل (الهدف) السامي، المتفق عليه، فالشعيرة هي المقصود العظيم.

ولهذا أقول لإخوتي أصحاب المشروعات : إننا نحتاج إلى "الواقعية" في النظر لمشروعاتنا.
فمشاريعنا التي نسعى إليها بكل تفاصيلها المالية والإدارية ليست وحياً من السماء، وليس هناك أي ضمانات لنجاحها.
خلافاً لـ (الشعيرة) التي هي باب الجنة.

والحديث ذاته يقال عن مشروعات ربط الناس بالقرآن الكريم، ومشروعات تعظيم شعائر الله والبيت الحرام، ومشروعات العلم الشرعي، ومشروعات الاحتساب، ومشروعات الانتصار للمظلومين في أنحاء الأرض.

كما أنه في هذا السياق، يحسن بنا التفريق بين الشعيرة والمنتسبين إليها، فلا يعني تعظيم الشعيرة أن ينسحب التعظيم للمنتسبين إليها بالاسم أو بالفعل جميعا.
وقد اعتبر بعض العلماء (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ركناً سادساً من أركان الإسلام، لكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مجتهد، وسلوكه قابل للصواب والخطأ، وقد يحتاج أحياناً من ينكر عليه صنيعه، لأنه خالف نصاً شرعياً من حيث أراد تحقيق نص آخر .

ويمكن الحديث عن الجهاد بوصفه ذروة سنام الإسلام، أما المنتسبين له فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ومنهم ظالم لنفسه، ولا يعني انتساب المرء له عصمة من الزلل، أو درجة ينال بموجبها شهادة للحماية من النقد والمحاسبة.

جعلنا الله وإياكم ممن يستخدمهم في طاعته، ويسخرهم لخدمة دينه، ونفع عباده، إنه سميع مجيب.
12:04 م

عدد المواضيع