لغة القالب

أصحاب المكانة .. والمعاملة الخاصة!


من الخطأ الشائع : اعتقاد أن العدل يكون دوماً بالمساواة التامة بين الناس، وإنما يكون العدل بإعطاء كل ذي حق حقه.
ولهذا فالعدل في توزيع الإرث يعني أن يعطى للذكر مثل حظ الأنثيين.
ومن هنا فلا يمكن التعامل مع من أخطأ باعتبار (الخطأ) ذاته دون اعتبار لحال (المخطئ).

فالخطأ الواقع باجتهاد، مختلف عن الخطأ الواقع بإهمال.
والخطأ الواقع بنية حسنة، مختلف عن الخطأ الواقع بسوء نية.
والخطأ الذي يقع ممن كثر صوابه وإحسانه، مختلف عن الخطأ الذي يقع ممن لم يعرف له إحسان.

ولهذا ورد في حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي  قوله :(أقيلوا ذَوي الهيئاتِ عثَراتِهم إلا الحدودَ) صححه الألباني

وذوي الهيئات هنا يراد بهم أهل المروءة والخصال الحميدة من عامة الناس، الذين اشتهرت عدالتهم، ولكن زلت في بعض الأحايين أقدامهم.

ومعنى هذا الحديث  أنه يستحب ترك مؤاخذه أولئك (أهل المروءة) إذا وقع الواحد منهم في زلة أو هفوة لم تعهد عنه.

وهذا الحديث عن عدم المؤاخذة لا يشمل الحدود الشرعية، فإذا كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته على الفاعل كائناً من كان.

يقول ابن القيم رحمه الله "والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته " .

وقد جاءت السيرة النبوية العملية تطبيقاً لهذا الحديث السابق ذكره، في نموذج يوضّح كيفية التعامل مع من له سابقة في العمل الصالح و الإحسان، وهي قصة يحسن بنا الوقوف عندها طويلاً، فعن عبيدالله بن أبي رافع، قال سمعت عليا يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة – امرأة- معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ"، فقال: يا حاطب، ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا –حليفا- في قريش  ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا – معروفاً- يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنه قد صدقكم»، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله سورة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة).

فانظر إلى ما فعله حاطب رضي الله عنه من مخالفة جلية، وخطأ كبير، غير أن سابقته في الفضل، ومشاركته في غزوة بدر الكبرى، جعلت النبي ﷺ  يعفو عنه، ويتجاوز.

وبهذا أمر الله تعالى بقوله (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، وفي الحديث عن النبي ﷺ  ( إذا بلغ الماء قلتان لم يحمل الخبث)، فالنجاسة اليسيرة حين تقع في الماء الطاهر الكثير لا تحوله إلى ماء نجس، بل يتغاضى عنها، والأمر ذاته يقال عن الأشخاص الذين لهم أعمال مميزة، وإنجازات متواصلة، ثم يقع منهم الخطأ، فيدفن في أكوام حسناتهم.

وكان الذهبي رحمه الله يسلك هذا المسلك في التعامل العادل مع الرجال في كتابه "سير أعلام النبلاء" فهو لا ينسى فضائل الأشخاص حين يستعرض سيرتهم، بل يعاملهم بالعدل، ويذكر إحسانهم وإساءاتهم بقدرها، يقول رحمه الله " ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه."

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه بعد ذكر جماعة من الأشاعرة كأبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، ومن تبعهما: " ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة , وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، و تكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف".

وقال كذلك عن أحد المخالفين له: "ولم يكن ممن يتعمد الكذب، كان أجلّ قدراً من ذلك، وكان من أعظم الناس ذكاء وطلباً للعلم وبحثاً عن الأمور، وكان من أعظم الناس قصداً للحق، وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة، بليغة، ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين".

وفي مسيرنا على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة، وسلف الأمة من بعدهم، فإننا مأمورون بان نحول تلك النصوص إلى واقع عملي، ونطبقه في واقعنا، ونتريث حينما نسمع بتلك العثرات من ذوي الهيئات، ونحسن الظن، ونلتمس العذر، ونقيل العثرة، ونكون عوناً له لا عليه، ونكف عن جعل تلك العثرات وسوماً على شبكات التواصل، وسميراً لجلسات الأنس والاجتماعات.

                        من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط

قال ابن القيم رحمه الله : "من قواعد الشرع ، وَالْحكمَة أيضا : أن من كثرت حَسَنَاته وعظمت ، وَكَانَ لَهُ فِي الإسلام ، تَأْثِير ظَاهر : فَإِنَّهُ يُحْتَمل لَهُ مَالا يُحْتَمل لغيره ، ويُعفى عَنهُ مَالا يُعفى عَن غَيره .

وأختم تدوينتي هذه بأن أذكر نفسي والقارئ الكريم بأنّ علينا واجباً شرعياً مهماً، وهو وهو ألا نستجيب للحملات الظالمة الجاهلة التي تنطلق على شبكات التواصل تجاه كل من أخطأ، فرداً كان أو جهة، فإن طبيعة الشبكات الاجتماعية اليوم أن تقوم الجموع الغوغائية بالسعي لإسقاط الرموز بزلة، او شبه زلة، وتنزلهم من أعالي درجات النجاح والتميز إلى أسفل دركات الانحطاط والذم والتحقير، وينخرط في تلك الحملات جموع ممن لا خلاق له، ولا علم له، ولا يردعه عن صنيعه خوف من الله، أو استذكار ليوم الحساب، ويكون كثير من أولئك المنخرطين ممن لم يعرف الشخص المخطئ أصلاً، ولم يدرك حقيقة ما حدث ابتداء، لكنه كصغير الدجاج .. يسمع الديكة تصيح، فيصيح بصياحها.


دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

1 – 7 – 1445  هـ


5:01 م

عدد المواضيع