طريقك للوصول إلى قمة الأداء البشري
يتمنى الكثيرون أن يصلوا في مجال عملهم وتخصصاتهم إلى قمة الأداء البشري وذروته، وأن يكونوا من الخبراء الذين لا يشق لهم غبار، وأن يصنفوا ضمن قائمة أفضل المتميزين في مجالهم، وربما كانت فئة قليلة منهم تفكر وتحلم وتتمنى أن تكون ضمن الفئة الأكثر تميزاً على مستوى العالم بأسره.
وهي أمنيات مشروعة، وطموحات منطقية مقبولة، غير أن الكثير من المفاهيم والقناعات المنتشرة والمتداولة بين الناس تحول بين أصحاب تلك الأمنيات وبين ما يشتهون وما يؤملون.
ومن هذه الأوهام الشائعة :
أن التميز والتفرد لا يحصل إلا لأولئك الموهوبين بالفطرة، الذين ولدوا وهم يحملون بذور ذلك التميز، وبناء عليه فإن من لم يولدوا كذلك رغم كل محاولاتهم الحثيثة إلا أنهم لن يصلوا لمستوى أصحاب المواهب الفطرية.
ومنها : أن الوصول للتميز يتطلب إمضاء عشرة آلاف ساعة في العمل ضمن هذا المجال – كما يقول مالكوم جادويل في كتابه "المتميزون" –
ومنها : أن الطريق للتميز يجب أن يكون طريقاً ممتعاً ومريحاً لسالكيه، جاذباً لهم بطبيعته.
والحقيقة أن تلك الأوهام هي أحد أهم المعيقات التي تحول بين الناس وبين قمة الأداء البشري.
فقد أثبتت الدراسات العديدة، والممتدة، والمتنوعة فنياً وجغرافياً أن دور الموهبة الفطرية محدود جداً، وان تأثيره – إذا ثبت وجود الموهبة ابتداءً – هو في المراحل الأولى من التدريب والعمل، ثم تذوب تلك الفوارق الفطرية كلياً، ولا يتبقى سوى العمل الجاد، ويكون هو القيمة الفارقة الحقيقية بين المتنافسين، بل ربما تحولت تلك الموهبة الفطرية إلى غرور يمنع المرء من تحسين أدائه والاستمرار في التعلّم .
كما أن الوصول إلى التميز والقمة لا يتطلب بالضرورة عشرة آلاف ساعة، فقد يتطلب الأمر أقل من ذلك، وقد يتطلب ضعف هذا الرقم، حسب طبيعة المجال، وتعقيداته، وتفاصيله، غير أنه أياً كان التخصص، فإن مجرد إمضاء آلاف الساعات في العمل المتخصص لا يمكنها أن تجوّد وتحسّن الأداء من تلقاء ذاتها، فالدراسات تثبت أن العاملين في أي تخصص يبدأ أداؤهم في التراجع بعد السنة الخامسة، إذا يصبح العمل روتينيا، وتبدأ المعلومات الكثيرة في أذهانهم تتنسى شيئاً فشيئاً.
أما الساعات الفاعلة والمؤثرة فعلياً على الأداء فهي ساعات الممارسة المتعمدة، والتي تتصف بأنها مركّزة ومعمقة وتتم بإشراف معلم خبير، يقوم فيها بقياس الأداء بشكل منتظم، ويقدم الملاحظات والتعقيبات، ويقوم الممارس بالتصويب بناء على تلك الملاحظات، ويكون ذلك بشكل مستمر، مع كل مهارة جزئية مشمولة بذلك التخصص، وإنني أدعوك أخي القارئ للبحث عن مصطلح (الممارسة المتعمدة)، حيث ستجد ثراء كبيراً في المواد المنشورة عنه، مما يفتح الذهن لتغيير طريقة التفكير والتدريب معاً.
وأختم مقالتي بالإجابة عن الوهم الأخير، الذي يظن بأن طريق التميز يجب أن يكون طريقاً ممتعاً ومريحاً ، والواقع أن الوصول للتميز يتطلب عملاً جاداً ومستمراً ومتواصلاً ومرهقاً ومملاً في الوقت ذاته، ولو لم يكن الطريق كذلك لكان التميز سمة كل الناس، غير أن القليل منهم من يكون لديه الصبر والتحمل والحافز للمواصلة رغم كل العقبات، وللتحسين المستمر رغم طول الطريق.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
ولست هنا بصدد التثبيط عن التميز، ولا التخويف منه، بل على العكس من ذلك، فإنني أدعو الجميع بلا استثناء إلى سلوك طريق القمة، فالطريق موجود وسالك، كما أدعو لى انتهاج أسلوب (الممارسة المتعمدة) الذي ثبت نجاحه في إيصال الكثيرين من مختلف التخصصات،، والاستمرار في العمل الجاد حتى يتحقق الحلم، ويغدو الواحد أحد الخمسة الأوائل في تخصصه على مستوى العالم، فليس ينقص الحازم اللبيب شيئ، ولا يوجد عقبات حقيقية يستحيل على المرء تجاوزها.
وأشير في الختام إلى أنني استلهمت مادة هذه التدوينة من كتاب الذروة لمؤلفه أندريس أريكسون.
وللحديث صلة بإذن الله، دمتم بخير ،،
محمد بن سعد بن عوشن
22 صفر 1447هـ