لغة القالب

صناعة الاستثنائيين من خلال "الممارسة المتعمدة"

في كتابه المتميز "الذروة" تحدث عالم النفس "أنديرس أريكسون" وزميله عن الاكتشاف الذي وجداه حينما تمت دراسة أصحاب الأداء الاستثنائي، والحاصلين على أعلى مستويات الإنجاز في العديد من التخصصات والمجالات الفنية والعلمية والرياضية، فيما اعتبره المؤلف ضمن مجال "علم الخبرة"، أحد مجالات علم النفس الجديدة.
وقد استعرض المؤلف في كتابه عدداً كبيراً من الدراسات التي قام بها المؤلف وقام بها آخرون لبحث الأساليب والخطوات والأدوات التي سلكها أولئك المتميزون، والتي كان لها الدور الفعلي في تميزهم وتفوقهم.

وقد اعتنت بعض تلك الدراسات بـ مراجعة تاريخ أولئك المتميزين، وأنواع التدريب والتعليم التي تلقوها في مراحلهم العمرية، والعوامل التي صنعت منهم شيئاً مذكورا، وحين استبان الطريق واتضحت الطريقة الفاعلة، انطلقت مجموعة أخرى من الدراسات لتطبيق هذه الأساليب على عينات جديدة من المتدربين أو الطلاب، مع الإبقاء على عينة ضابطة دون تدخل للتحقق من تأثير "الممارسة المتعمدة" عليهم، فكانت النتائج مبهرة فعلاً، حيث تأكد الباحثون من الجدوى الفعلية لهذا الأسلوب، والذي يمكن من خلاله إتقان أي شيء يرغب المرء في إتقانه.
وأود هاهنا أن أعرض -بإيجاز شديد- "مفهوم الممارسة المتعمدة"، وأيسّره، ليكون مدخلاً أولياً للتعمق في ثناياه، وتحقيق النجاحات على أرض الواقع جراء الالتزام به.

ولكي يتم إيضاح المعنى يمكن الحديث ابتداء عن "الممارسة العادية"، فبضدها تتبين الأشياء، فالممارسة العادية تعني تكرار الفعل الواحد مراراً وتكراراً، فلاعب التنس حينما يلعب 100 مباراة، والمعلم حين يقدم المادة التعليمية بضع سنوات، والطبيب حينما يجري العملية الجراحية مئات المرات فإنهم بذلك يمارسون الأمر ممارسة عادية، ومن خلالها يتحسّن الأداء -في السنوات الخمس الأولى -حتى يصبح الأداء تلقائياً، لكن تلك الممارسة -في الأعم الأغلب- توصل المرء إلى مستوى الأداء المقبول، والمناسب، والعادي، وليس إلى المستوى الاستثنائي.


أما "الممارسة المتعمدة" فشيء آخر..
 فهي تتطلب ابتداء وجود المنافسة بين أكثر من طرف للوصول إلى القمة، كما انها تتطلب وجود الخبير المعلم الذي يشرف على عمليات الممارسة، ويقنن التدريب على مهاراتها، ويقدم التعقيبات والتغذية الراجعة الفورية على الأداء بهدف التحسين والإصلاح، ثم يقوم المتدرب بإعادة الممارسة، وتلقي التعقيبات مجدداً، حتى يصعد من مستوى إلى آخر، في عملية مستمرة وطويلة المدى، تتطلب تركيزا حقيقياً، وتخصيصاً للأوقات الطويلة والمنتظمة لذلك التدريب، وهذه العملية المشار إليها ليست أمراً محبباً للنفوس، وليست أمراً يسيراً، لما تتطلبه من جهد ووقت وترك للكثير من الأعمال والمشاغل والتخفف منها من أجل ذلك التميز المنشود.

ولإن كانت الممارسة في أولها تبدو جميلة ومقبولة، لكنها مع التكرار والاستمرار تغدو مملة ورتيبة، وتجعل المرء يراجع نفسه أحياناً، ويسأل : هل من مبرر لهذا العمل المجهد؟ ولهذا كان من الأمور المهمة لنجاح الممارسة المتعمدة "وجود الحافز" القوي، والحرص على تعزيز عوامل زيادة الحافز وتكثيفها، وتقليل عوامل التثبيط والسيطرة عليها.

ومما يعين على ذلك أن يتم الاتفاق مع "المعلم الخبير" على تجزئة التقدم في المجال إلى مستويات ومراحل، بحيث يتم الاحتفاء بتجاوز كل مرحلة، ويشعر المتدرب بمستوى التقدم الذي يحرزه، والذي ربما لا يراه الآخرون.
ولهذا فدور المعلم الخبير دور مركزي، ومهم، وهو حجر الزاوية في تحقيق التقدم، ولا ينافسه في الأهمية سوى "حرص المتدرب وقدرته على إدارة ذاته ووقته والتزامه" بالأوقات المخصصة والتكليفات التي تعطى له.

يجب أن تكون الممارسة المتعمدة هي الأسلوب المعتمد في تطوير المهارات، والقدرات ، وأن نكف عن التدريب القائم على إعطاء المعارف والمعلومات، ذلك التدريب الجماعي من خلال قاعات التدريب التي يتم فيها المرور على المهارات الفعلية مروراً نظرياً فحسب.
ومن المهم جداً : أن يخرج المتدرب من منطقة الراحة بشكل تدريجي ومستمر، ذلك أن البقاء في منطقة الراحة يعني -وبشكل تلقائي- التوقف عن التقدم، وتكرار العمل فحسب.
 ولهذا ففي عملية التدريب يتحمّل المتدرب ما بين  80 إلى 90% من الجهد، أما المدرب فدوره لا يجاوز 20% بحال من الأحوال.

كما أن أي تدريب وتأهيل يفتقر للقياس والتقييم الذي يوضح الأخطاء بشكل دقيق، ويحدد المهارة التي وقع فيها الخلل، ويعطي الخطوات لتجاوز هذا الإخفاق، ثم يعيد الكرة مرة بعد أخرى، فإنه تدريب منقوص، ولا يؤدي بطبيعة الحال لصناعة الخبراء.

إنني ادعو من له اهتمام بصناعة المواهب أن يقرأ كتاب "الذروة" وان لا يمل من صفحاته الأربعمائة، فهي درر وكنوز تستحق القراءة، وهي خلاصة تجربة المؤلف لما يزيد عن ثلاثين عاماً، ورغم أن المؤلف تناول كثيراً من الأمثلة والدراسات عن لعب الشطرنج، وعزف الكمان، وعدد من الرياضات والفنون، إلا أن المفهوم المتبع هناك قابل للتطبيق على كافة المهارات.
كما أدعو -في الوقت ذاته- للبحث في محركات البحث عن مفهوم "الممارسة المتعمدة"، وأن يستعين بالترجمة، فسوف يجد نتاجاً غزيراً، وعلماً جديراً بالتعلم والتطبيق.

وما أحوجنا إلى أن نبث هذا المفهوم في كافة برامج صنع القيادات، وصناعة الخبراء في شتى المجالات.

وإلى تدوينة أخرى عن الممارسة المتعمدة، ألقاكم على خير.

محمد بن سعد العوشن
23 صفر 1447 هـ

9:33 م

  1. د عبدالقيوم بن عبدالعزيز26 أغسطس 2025 في 9:55 م

    استمتعت بقراءة التدوينة، وانتفعت منها. شكرا لهذا الإسهام الموفق فضيلة الشيخ محمد.

    ردحذف

عدد المواضيع