9:23 م

تذوّق لذة الحياة

هل تكمن لذة الحياة في الركون إلى الراحة والدعة والفراغ؟

وهل يُعدّ الخلوّ من الأعمال والأشغال والالتزامات سبباً من أسباب السعادة؟

وهل العمل، والمهام مجلبة للتعاسة؟

إنها أسئلة مهمة، قد تدور بخلد الواحد منا، وربما ظن أن الإجابة بـ نعم، إجابة صحيحة لهذه الأسئلة.. 

غير أنني أتحدث من واقع التجربة الشخصية، والمراقبة المستمرة لحياة الكثيرين ممن قابلتهم، وسمعت منهم، وقرأت عنهم، حيث تكاد تجمع كل تلك المصادر على أن (الفراغ) هو أساس المشكلات الصحية، والنفسية في آن واحد.

نعم، فالفراغ مدعاة إلى الكسل والخمول، وهو سبب رئيس في الفوضى التي تحصل في أوقات النوم والاستيقاظ، وهذه الفوضى تؤدي – في الكثير من الأحيان - إلى النوم وقت استيقاظ الآخرين، والاستيقاظ وقت نومهم، فليس هناك التزامات تجعل المرء يضطر للتبكير بالنوم مثلاً لأن هناك التزاماً او اجتماعاً صبيحة الغد.. وهذه الفوضى المشار إليها تجعل المرء معتزلا مجالس الناس، وبعيداً عن الفعاليات المختلفة في المجتمع بسبب تلك الفوضى.

كما أن من مشكلات الفراغ الكبيرة: شعور صاحبه بأن حياته بلا قيمة، وأن وجوده وعدمه سواء، وأن غيابه لا يؤثر على أحد، ونتيجة ذلك دون شك أنه إن حضر لم يؤبه به، وإن غاب لم يفتقده أحد، والشعور بـعدم الأهمية، شعور قاس وموجع، وجالب للحزن.

ومن شأن الفراغ أن يقلل الحركة الجسدية لصاحبه، فيبقى جالساً أو مستلقياً هنا وهناك، تمر عليه الساعات بلا عمل، ولا أثر، فهو إما أمام شاشة التلفاز، أو على شاشة جواله، وقلة الحركة وكثرة المكث دون عمل تفقد المرء الكثير من المرونة الصحية والنفسية، وتذهب عنه الطاقة واللياقة.

وفي الخلو من المشاغل والأعمال والالتزامات توقّفٌ للإنجازات التي تعطي المرء شعوراً بالسعادة في كل مرة، وتلك السعادات الصغيرة المتكررة الناتجة عن الإنجازات تعطي للحياة طعمها، وجمالها، وتجدد في النفس مشاعر البهجة والرضا.

ولذا فإن من يتوهم بأن الفراغ مجلبة للسعادة فهو يعيش الوهم حقاً، وكم رأينا من سعداء، أصابتهم الأمراض والأوجاع، وتغيّرت نفسياتهم سلباً حينما تقاعدوا من أعمالهم، ومكثوا في بيوتهم، وتوقفت إنجازاتهم.

أما الذين استغلوا الفراغ استغلالاً حسناً، وانخرطوا في أعمال جديدة، أخذت عليهم اهتماماتهم، وشغلت أوقاتهم، فإنهم سيكونون الأكثر سعادة من أقرانهم الذين اختاروا الكسل طريقاً ..

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية باستغلال وقت الفراغ، والحث على استثماره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وعنه رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يَعِظُه: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ) أخرجه الحاكم

اللهم اجعلنا مباركين، مسددين، ممن استثمروا أوقات فراغهم، هنيئاً لمن طال عمره، وحسن عمله.

محمد بن سعد العوشن

1/ 7/  1444 هـ