لغة القالب

شـاهد على العصر

في حوار مع ذلك الضيف الذي ألِف المشاهدون وجهه، لحضوره في عدد من اللقاءات الذائعة الصيت، تحدّث الضيف عن وقت شبابه، مصدراً أحكامه الخاصة على المجتمع في ذلك الوقت، محاولاً إثبات صحة تلك الأحكام بكونه أحد الشهود على تلك المرحلة، حيث أتاح له بلوغه لهذا السنّ المرور على عدد من التغيرات المجتمعية، فهو "شاهد على العصر".

ولأن المحاور شاب في مقتبل العمر لم يعاصر تلك المرحلة الزمنية، ولم يعش في ذلك التاريخ – كما هو حال كثير من المشاهدين -، فإنهم جميعاً يتعاملون مع تلك الأحكام والتوصيفات باعتبارها أمراً مؤكداً وثابتاً، لكونها تأتي من أحد الشهود الذين عاشوا المرحلة وعاصروها، وهو أدرى بحال الناس آنذاك...

والحقيقة أننا نخفق كثيراً في أحكامنا الحالية التي نصدرها اليوم على حال المجتمع و أحداثه التي تقع بالقرب منا، فهي أحكام مشوبة بالكثير من النقص في المعلومات، والخطأ في الأحكام، والتحيّز المكاني والزماني والعرقي والديني، فضلاً عن ما يعتري المرء من أحوال نفسية وصحية واجتماعية تؤثر على صحة إصداره لتلك الأحكام ومنطقيتها، بالرغم من توفر الكثير من وسائل الإعلام، والنقل الحي للوقائع، والإتاحة الواسعة للمعلومات، لعل مما يؤكد تلك الأخطاء مع توافر المعلومات أنك ترى تناقضات صارخة بين مواقف الناس من الحدث ذاته، وروايتهم له، ويصدرون الكثير من الأحكام المتعارضة كلياً في توصيف الواقع الحالي!.

فإذا كان هذا حال الناس مع توافر كل هذا الكمّ من المعلومات والحقائق والإثباتات، والقدرة على الوصول والتواصل في وقتنا المعاصر، فكيف هو الحال في الحديث عن زمان سابق، قبل التقنية، ومع القصور الكبير – آنذاك - في مساحات الحركة، والعلاقات، والمعلومات.

ومن هنا فإن التسليم بأقوال أحدهم وتوصيفاته وأحكامه عن مجتمع ما سلباً أو إيجاباً، واعتبار تلك الأقوال صادقة لكونه عاصر تلك الأزمنة، هو محض خطأ، فهو ليس الناجي الوحيد الذي ينقل لنا ما حدث، بل هو واحد من ملايين الذين عاشوا في تلك الفترة، ولهم أحكام تختلف معه، وليس أحدهم أولى بالتصديق من الآخر.

وحين يتحدث الواحد منا عن تجربته الحياتية فإن من حقه أن يطلق عليها ما يشاء من أوصاف، ويعبر عن حالته النفسية آنذاك، وحكمه على نفسه مقبول إلى حد كبير..


 أما حين ينتقل للحديث عن الغير، وعن  المجتمع بعمومه، فالأمر هنا مختلف كلياً،
إذ يجب النظر إلى الكثير من العوامل المؤثرة على أحكامه التي يصدرها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: "الجهل" و "الفهم الخاطئ"، و"التحيّز"، و"الحالة الاجتماعية" ، و"الحالة المادية"، و"المواقف الخاصة"، فضلاً عن الطبيعة النفسية له، وسماته، وعلاقاته، ومكانته، ومنصبه، إذ هي عوامل يمكنها التأثير بشكل كبير على مصداقية الأحكام وسلامتها.

هذا فضلاً عن أن كل واحد منا حين يحاول استذكار مرحلة عمرية من حياته، بعد مرور السنين والأعوام، فإن الكثير من الوقائع، والأحداث، والتفاصيل تختفي من ذهنه، ولا يتبقى لديه منها سوى جملة من الأحداث المفردة، والوقائع المحدودة، والمشاعر الانتقائية التي ثبتت لأمر أو لآخر، والتي هي في الحقيقة ليست تمثل الواقع الفعلي الذي عاشه هو شخصياً، بل هي تمثل وقائع "مختارة" من الواقع، لا يمكن بموجبها إصدار تلك الأحكام العامة.

لذا لا عجب أن تجد في تعليقات بعض المشاهدين – ممن كانوا شهوداً على العصر كذلك – ردوداً على مقولات الضيف، تناقض كلامه تماماً، وتعتبر حديثه غير معبّر عنهم، ولا يمثل إلا نفسه، وقد كتب أحدهم معلقاً "إذا عانيت في زمانك، فنحن في عمرك، وعشنا أجمل حياتنا في ذلك الزمن"!

إنها اختصار لموقفين اثنين من زمان واحد، لأن كل واحد منهما ينظر بمنظاره، ويروي أحواله، وهي تؤكد ما بدأت به هذه التدوينة، أن لا ننساق وراء "شهود العصر" الذين لهم جميعاً -وبدون استثناء- دوافعهم، وظروفهم، وتفكيرهم المختلف عن الآخرين.

وفي السياق ذاته انظر للكتب التي تتحدث عن بعض الرموز التاريخية أمثال  (الحجاج بن يوسف، جمال الدين الأفغاني، جمال عبدالناصر،...) لتجد أن هناك من يعدّهم ملائكة، وهناك من يعدّهم شياطينا!.

وانظر كذلك لمرحلة الاحتلال الغربي للبلدان العربية على سبيل المثال، لتجد أن هناك من يعتبرها مرحلة ذهبية، ويطلق عليها لفظ "الاستعمار" المأخوذة من العمارة والبناء، بينما يطلق عليها آخرون لفظ "الاحتلال" بكل إسقاطاته السيئة، مع انهم جميعاً يتحدثون عن مرحلة واحدة، وبلد واحد!

وأنا هنا لست بصدد الاصطفاف مع أي من طرفي الخلاف في الحكم على مرحلة زمنية، أو شخصيات تاريخية،  لكنني أود ألا أسلّم عقلي لمن يحاول أن يجعل فهمه الشخصي للواقع من الثوابت التي يجب الأخذ بها، بحجة تلك المعاصرة والمعايشة.

ولست ألغي أهمية حديث من شهدوا العصر عن رواية مشاهداتهم، وحكاية ما عايشوه، فهي تبقى مصدراً لفهم التاريخ، ومدخلاً للإحاطة بالصورة، لكنها تعد جزءاً من معطيات كثيرة تشكل أدوات للفهم الحقيقي للتاريخ، لا يمكن الركون إليها والتسليم بها، خصوصاً مع ما يشوب تلك الشهادات من نقص البشر، واستيلاء المشاعر عليهم، ونقص الإحاطة، والتحيز، فنستمع إليهم، ونقيّم حديثهم، ونستوثق، لنصل في نهاية المطاف إلى تصور أقرب للحقيقة.

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

27 / 2 / 1445

(الرياض) حرسها الله

@bin_oshan




تدوينات ذات صلة 


8:54 ص

عدد المواضيع