لغة القالب

معجزة الرزق


يتحدث عن الناس عن المال والثروة، وينظرون في تجارب الناجحين في جمعها، والذين تمكنوا من تأسيس الشركات الكبرى، و إطلاق المشاريع التجارية الناجحة التي حققت لهم مكاسب واسعة ونقلتهم من الصفر إلى أن يكونوا رمزا يشار إليه بالبنان، ينظرون إليهم نظرة إعجاب وتقدير وإكبار.

وقد تحدثت مع أحد أولئك الأفذاذ الذين بلغت ثروتهم مليارات الريالات، وأشدت بجهوده  المتواصلة والموفقة والتي حققت هذا النجاح الباهر، غير أن ردّه عليّ كان صادما!

إذ قال لي : يا محمد ، ما تراه من نجاح وثروة لم يكن لأنني بذلت الجهد، ولكنها معجزة الرزق، فتوزيع الأرزاق بين الناس هو معجزة إلهية محضة، وتيسير وتوفيق من الله فحسب، صحيح أن الله عزوجل جعل لكل شيء سببا، لكن السبب وإن كان أمراً لا بد منه فإنه ليس المحقق للثروة فعلياً.

ثم استشهد بزملاء له، يملكون من القوة، والحرص، والاهتمام، والعلاقات، والدهاء أكثر مما لديه، وسعوا أكثر من سعيه، لكنهم لم يحققوا مرادهم، ولم يصبحوا أثرياء، لأن الله لم يكتب لهم هذا الرزق فحسب.

وتحدث عن زميل آخر ، كان يملك مكتباً عقارياً بسيطاً للغاية، في مكان غير جاذب، وأثاث متواضع، وإضاءة ضعيفة، ومع ذلك كان يأتي إليه صاحب الأرض الكبيرة ليعرض أرضه عنده، ويأتي إليه من يريدون شراء الأراضي فيجدونها لديه، فيتمون الصفقة ويأخذ السعي دون أن يبذل أي وسع في جلب الأراضي أو إقناع المشترين بها، فهؤلاء جميعا بذلوا شيئا من الوسع لكن الموضوع مرتبط بتوزيع الأرزاق من الله تعالى أولاً وأخيراً.

إن هذا الرد في الحقيقة قد لفت نظري إلى ما أراه في الواقع، من أن كثيرين، يفتحون نفس النشاط، بجودة متقاربة، في توقيت متقارب، ووقت متقارب، ومع ذلك يقبل الناس على أحدهم إقبالا منقطع النظير بينما يظل الآخر يبذل كل جهوده للبيع دون نتيجة، فينجح الأول ويفشل الآخر.

وأن هناك حملات إعلانية تفلح في جلب المشترين، بينما تخفق عشرات الحملات الأخرى في جلبهم، مع أنها لا تقل عن الناجحة جودة وإتقاناً.

وبينما يتوسع نشاط شركة من الشركات فتفتح الفروع بشكل متتالي، تتقلص فروع شركة أخرى في نفس النشاط حتى تعلن إفلاسها.

إنها معجزة الرزق، وهي توزيع من الرزاق الكريم ( إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) فالرازق هو الله، والمعطي هو الله، والمانع هو الله سبحانه، وهذا العطاء أو المنع هو من الخبير البصير.

 وأنا هنا لا أريد أن أقلل من أهمية بذل الوسع، والسعي في الأرض، ومحاولة معرفة المسببات وبذل كل ما يمكن من أجل تحقيق الثراء المشروع، لكنني أود أن أوضح أن ذلك كله يأتي في سياق (وهزي إليك بجذع النخلة)، ففعل السبب وإن قل تأثيره، لكنه خطوة لابد منها، مع التوكل التام على الله، وتعليق النتائج به.

مع اليقين التام بأنه (لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها) وأن ( لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله ، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) و أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.

فالسعي في مناكب الأرض، وابتغاء الرزق، والسعي لتحصيل المال لإنفاقه في أوجه الإنفاق المشروعة أمر مطلوب، لكن تعليق النتائج بالسعي، وتوقع أن الأمر مجرد معادلات رياضية هو خطأ بالغ، وانحراف في البوصلة، فسبحان الرزاق الحكيم الكريم.


11:26 ص

عدد المواضيع