لغة القالب

الترند الخيري


ينزع كثير من الناس إلى موافقة السائد، واتباع "الترند"، ومحاكاة ما يقوله الناس أو يفعلونه. دون أن يطرحوا السؤال المهم: هل ما يقوله الأكثرية أو يفعلونه مستند إلى حقائق فعلية أم إلى ظنون وأوهام؟

ذلك أن اتباع السائد، وإهمال الحس النقدي يجعل الكثير من الأشخاص يركضون كما يركض سواهم في اتجاه ما، ويلهثون، ويتحمسون، ولم يكلفوا أنفسهم التوقف قليلاً للتأكد من صحة المسار.

وتحت ذريعة "لا يوجد وقت" يستمر الواحد منهم بكل حماسة، حتى إذا استبان له و للناس – بعد مدّة طويلة – أن الطريق خاطئ، رأيته يردد : كنت حاسّ أن فيه شيء غلطّ! لكنه لايتعلم من الدرس -غالباً-، فتجده بعد مدة غير قصيرة، يركض في اتجاه آخر، ولنفس الأسباب، وبنفس السلوك.

هذا السلوك شائع حتى في القطاع الرابح "القطاع الثالث"، فـ"الترندات" تتخبط بالبعض يمنة ويسرة، فيسعى الواحد بكل قوته إلى "الموضة" او "الاتجاه السائد" حتى إذا وصل وجد أنه كان متجها إلى الطريق المنحدرة.

وفي هذه التدوينة سأتحدث عن مثال واحد فحسب، وإلا فإن الحديث يطول، والأمثلة عديدة..

* حين كثر الحديث عن "الوقف"، وثقافة الوقف، وازدادت أعداد من يعدّون أنفسهم خبراء فيه، انخرط كثيرون فيما يمكن تسميته "هَوَس الأوقاف"!.

فكل قضية، أو مشكلة اجتماعية، او اقتصادية أو طبية، أو شرعية أو ثقافية، فحلها الأول هو أن نطلق وقفاً أو صندوقاً وقفياً – آخر الترندات ظهوراً-..

فيبادر الواحد من أولئك قائلاً: ما أحوجنا إلى البدء في تأسيس وقف ضخم لهذه القضية، وحينما تسأله: وماذا بعد تأسيس الوقف؟ ما الخطوة التالية؟ ما البرامج والأنشطة والفعاليات التي ستقوم بها لإصلاح المشكلة التي هي محل الاهتمام؟ فإنك على الأغلب لن تجد جواباً سوى الصمت المطبق، وسيتحجج قائلا: حينما يأتي المال، فسيسهل إيجاد الحلول، وجلب الخبراء، وفعل كل شيء، فالمال حلال المشاكل.

فإن قلت له: اترك الوقف جانباً، وابدأ في الحلول، واجمع التبرعات لأجل الإنفاق المباشر على حلول القضية لكي تسارع نحو النتيجة فعليا بدلاً من الاستغراق في جمع المبالغ الكبيرة لإنشاء الوقف، فإنك ستجده يعدّك مخذّلاً عن الأوقاف، ومقللاً من أهمية هذه الشعيرة!

وأذكر أن أخاً لطيف المعشر، حريصاً، كان يتحدث عن قضية شرعية يراها نقطة ألم – وقد صدق – ويتحدث عن وقف المليار الذي سيخصص لتلك القضية المهمة، وكنت أقول له حينها: أمامك المهمة الصعبة وهي إيجاد الحلول، فلا تشغل نفسك بمحاولة إقناع الناس ورجال الأعمال بدعم وقف ضخم لمشروع هلامي لا زال على الورق، وليس له في الواقع نصيب، فلم يرق له كلامي، وواصل مهمته وكفاحه لهذا الوقف العظيم، غير أنه فشل في تحقيق مراده، ومات المشروع والوقف معا قبل ولادتهما.

وفي أحد المجموعات طرحت فكرة مقترحة بشأن "أنسنة الأحياء السكنية"، وتفعيل الجوانب الاجتماعية فيها، وبعض المقترحات في هذا السياق، مما يرفع من جودة الحياة، وبينما كنت أترقب أفكاراً ومقترحات للتنفيذ، إذا بأحد الزملاء يقفز إلى الترند الحالي "الوقف"، ويردّ علي قائلا : "تخيل معي لو كان هناك وقف لكل حيّ.. يساهم به سكان الحيّ ويخدمهم" فرددت عليه على الفور: "ما ودّي أتخيل، لأنه سيكون تعطيلاً للإنفاق، فالوقف ليس حلاً للمشكلات، بل قد يكون إشكالاً يستوجب الحل، فالأصل في النصوص الشرعية الأمر بالإنفاق لا الوقف"، ولم يرق له حديثي هذا بطبيعة الحال.

ومما زاد قناعتي بالتريث عن هذه الاندفاعة والهوس، أنني جلست ذات مرة مع أحد رجال الأعمال الواقفين، فقال لي: كل من قابلت من زملائي رجال الأعمال، وحدثني عن رغبته في الوقف، فإنني أقول له: إن كان المبلغ الذي ترغب في إيقافه وتحبيسه أقل من ثلاثمائة مليون ريال، فإنني أنصحك أن لا تجعله وقفاً!

فتعجبت من قوله، وبدت على وجهي علامات الاستغراب، لكنه أردف قائلا:  غير أنني أنصحه وأقول له: تبرع بذلك المبلغ كله وأنت صحيح معافى، تبرع به وانظر إلى آثاره وأنت حيّ، فالأولوية لمحتاجي اليوم، وليس لمحتاجي الغد، فإن الوقف يحتاج إلى مبلغ غير قليل للمصاريف التشغيلية، ومنها مجلس النظار واللجان المتفرعة منه، وفريق العمل في الوقف والمؤسسة الخيرية، والحوكمة والضبط، ثم إن العائد في الكثير من الحالات هو عائد منخفض نسبياً، كما أن جزءاً من ذلك العائد سيعود لتنمية الأصل، فضلاً عن الاحتمالات الأخرى بتعطل الوقف، أو وجود الخلافات بين القائمين عليه، أو تغوّل بعض النظار مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعطيله، او تأخير الإنفاق منه، فإنفاق المال مباشرة أولى وأجدى وأكثر امتثالاُ للنصوص الشرعية المرغّبة في الإنفاق المباشر للمال، لا تحبيسه.

لامس قوله هذا قناعة سابقة لدي، وأكّدها، ورسّخها، وربما قال بعض المخالفين "بل وافقت هوى في نفسك".

ما أحوجنا لمراجعة توجهاتنا، ومقترحاتنا، وتوصياتنا للآخرين، والنظر في مآلات الأمور، والتعلم من التاريخ، فالعوارض والمخاطر كثيرة ومتنوعة، ومن المؤكد أن بعض أحبتي في القطاع الوقفي قد لايروق لهم مثل هذا التناول، وقد يعدّونه تخذيلاً أو منعاً للخير - من وجهة نظرهم- لكنني أختلف معهم في ذلك وأؤكد أنني أسعى للتعبير عن وجهة نظري وقناعاتي، لا عن قناعات الآخرين .

والله من وراء القصد.، دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

26 - 11 - 1447 هـ

#القطاع_الخيري  #القطاع_الثالث #القطاع_الرابح #ق3 #الأوقاف #الوقف #الهيئة_العامة_للأوقاف 

11:55 ص

عدد المواضيع