لا تكن أغنى جثة في المقبرة
لا يكاد يخلو أحد منا من معرفة أشخاص أمضوا أربعين عامًا وهم منخرطون في العمل، يؤجلون السفر، والرحلات، واللقاءات العائلية، وكل متع الحياة، بحجة أن وقت التقاعد سيمنحهم الفرصة المناسبة. لكن بعضهم لم يدرك التقاعد أصلًا، وبعض من أدركه منهم لم يعد يملك الصحة أو الطاقة التي كان ينتظر أن يستمتع بها. فالمشكلة ليست في المال الذي نؤخر إنفاقه فحسب، بل في العمر الذي لا يمكن ادخاره حتى يأتي الوقت المناسب.
ومن هنا جاءت فكرة كتاب "مت بصفر" لتطرح سؤالًا مزعجًا: هل نحن نؤجل الحياة أكثر مما ينبغي؟ وهل نحرم أنفسنا من أفضل سنوات الحياة؟
فالمؤلف يتبنى فلسفة صادمة، وهي أن الهدف الحقيقي ليس تعظيم حسابك البنكي، بل تعظيم تجاربك الحياتية، فإذا مت وفي حسابك البنكي مليون ريال مثلاً، فكأنك بذلت من عمرك وجهدك ما يعادل مليون ريال، ثم غادرت الدنيا قبل أن تستفيد منها.
ويؤكد المؤلف أن المال مجرد أداة لتوفير التجارب والذكريات، فحياة المرء هي مجموع تجاربه، والاستثمار في التجارب (كالرحلات، أو تعلم المهارات، أو قضاء الوقت مع العائلة)، لا يعني أنك تدفع مالاً مقابل تلك اللحظة فحسب، بل في الحقيقة أنك تشتري "عائد الذكريات"؛ وهذه الذكريات تستمر في تحقيق السعادة والفائدة كلما أعدت تذكّرها. وكلما خضت التجارب مبكراً، زاد العائد.
فالذكريات هي الاستثمار الوحيد الذي يرتفع عائده مع تقدمك في العمر.
عائد الذكريات وطاقة الشباب
وتكمن الإشكالية الكبرى في أن تأجيل عيش الحياة وتجاربها ومغامراتها من مرحلة الشباب ومنتصف العمر إلى مرحلة التقاعد سيؤدي في الحقيقة إلى عدم خوضها ابتداءً؛ فكثير من التجارب والمتع والمغامرات تتطلب طاقة بدنية، ونشاطاً، وصحة، وهي أمور تتراجع كثيرًا مع التقدم في العمر، ولذا، فإن على المرء أن يحدد "نقطة التوقف" عن الادخار وجمع المال، والبدء بإنفاقه بذكاء على التجارب والعائلة.
العطاء المبكر: للأبناء وللآخرة
وفي السياق ذاته، يشير المؤلف إلى أن تأجيل إفادة الأبناء والبنات من الثروة إلى حين الممات ليس الاختيار الأمثل؛ فربما يكونون حينها في الخمسينيات من عمرهم عندما يرثونك، وهي فترة يكونون فيها قد استقروا مالياً، وتكون استفادتهم من مالك أقل بكثير. ولذا، أعطهم المال وهم في سن العشرينيات أو الثلاثينيات، عندما يكون للمال تأثير حقيقي يغير مجرى حياتهم؛ كشراء منزل، أو بدء مشروع، أو زواج.
والأمر نفسه فيما يتعلق بالإنفاق على الأعمال الخيرية؛ فلماذا تؤجل بناء المسجد، أو الإطعام، أو السقيا، أو كفالة اليتيم حتى تموت؟ لِمَ لا تقوم بذلك وأنت صحيح شحيح، تأمل الحياة وتخشى الفقر، فتستمتع برؤية الأثر، وترى ثمار عملك في دنيتك؟
المرجعية الشرعية والتوازن المنشود
وهنا أود التأكيد على أن المؤلف ينطلق من نظرة مادية للحياة، وافتقاد للمرجعية الشرعية التي جاء بها الإسلام، ومن ذلك قول النبي ﷺ: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس). فثمة معنى أوسع من استمتاع المرء بماله حال حياته، كما أن وصية المرء بجزء من ماله الذي ورّثه ليكون صدقة جارية، يجلب إليه نفعا يطاله بعد ذلك، فالحياة لدينا أوسع من هذه الحياة الدنيا بكثير.
غير أن كلام المؤلف يستحق الاهتمام وصولاً إلى مرحلة التوازن المنشودة بين إنفاق المال كله وقت الحياة، والتقتير على النفس والأهل حتى الممات.
إن ما يطرحه كتاب "Die With Zero" ليس دعوة للتهور المالي وإنفاق كل ما تملك بلا وعي، بل هو دعوة للتخطيط الواعي، والإنفاق الواعي كذلك.
فابدأ من اليوم في إعادة ترتيب أولوياتك، ولا تجعل هدفك أن تكون "أغنى جثة في المقبرة"، بل اجعل هدفك أن تموت برصيد مالي محدود، مع رصيد غير محدود من العمل الصالح، والإحسان إلى الأهل، والتجارب والذكريات الجميلة، والسيرة الطيبة.
محمد بن سعد بن عوشن
الرياض - حرسها الله -
11 محرم 1448 هـ
2:29 م
