لغة القالب

محمود الحماد.. سيرةٌ ترويها المساجد | د.سالم آل خازم

ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟

ليس ما جمعه، ولا ما تركه من مال أو منصب — بل ما زرعه في قلوب الناس وجدران المساجد.

محمود الحماد واحد من أولئك الذين لن تحتاج سيرتهم إلى كاتب، لأن المكان نفسه يرويها.

_______________________

عرفت محمود الحماد قبل سنوات في مشاريع محددة، فعرفت فيه رجلًا لا تقف أمامه صعوبة، ولا يردعه تعقيد، ولا يعرف في قاموس همته أن هذا الأمر صعب أو مستحيل. 

كان إذا آمن بالهدف أفنى له وقته، وبذل له جهده، ومضى إليه بروح من يرى أن العمل الصالح لا يحتمل التراخي، وأن خدمة الناس باب من أبواب رضا الله.

عرفته رجلًا يسعى أن يرضي الله، ويسعد من حوله، ولو كان ذلك على حساب وقته وراحته ونفسه. كان يعطي أكثر مما يُطلب منه، ويتقدم إلى مواقع التعب قبل أن يُدعى إليها، ويغلب عليه ذلك النوع النادر من الرجال الذين لا يكثرون الحديث عن الإخلاص، ولكن أعمالهم تشهد به.

ثم أكرمنا الله به في مؤسسة الأمير متعب بن عبدالعزيز الأهلية، فتولى ملف المساجد، ووضع فيه ثقله، وعقله، ووقته، وقلبه. ومنذ ذلك الحين عشنا معه قصة تحول حقيقية، لا يصفها تقرير، ولا تختصرها أرقام، ولا توفيها عبارات الثناء حقها. فقد نقل أعمال المساجد نقلات كبيرة ومشهودة، يشهد بها القاصي قبل الداني، ويعرفها كل من وقف على أثره، أو رأى ما أحدثه من فرق في بيوت الله.

لم يكن محمود الحماد يتعامل مع المسجد بوصفه مشروعًا إداريًا أو بندًا في خطة، بل كان يراه أمانة قائمة، وحقًا لا ينبغي أن يتعطل، وواجبًا يجب أن يُقضى في الحال. كم من مرة خرج من بيته أو من عمله، وترك راحته، وتابع لساعات طويلة، لأجل ملاحظة في مسجد، أو احتياج عاجل، أو عمل يرى أنه لا يصح أن ينتظر. كان إذا تعلق الأمر ببيت من بيوت الله حضر بكل ما فيه: بعقله، وقلبه، ويده، ومتابعته، وحرصه.

كانت طموحاته عالية، وكان بذله كبيرًا، وكان يرى أن خدمة المساجد ليست تحسينًا شكليًا، بل عمارة للبيوت التي يذكر فيها اسم الله، وتيسيرًا للمصلين، وإكرامًا للساجدين قبل الجدران. ولهذا لن نوفيه حقه مهما قلنا، ولكن حسبه أن الساجدين قبل المساجد يدعون له، وأن آثاره ستبقى قائمة شاهدة على رجل مرّ من هنا بصدق، وترك خلفه أثرًا لا يزول بإذن الله.

وبدعم سخي كريم من أبناء الأمير متعب بن عبدالعزيز، وبمتابعة مجلس امنائها ، شهدت المساجد التي عمل عليها محمود الحماد تطورات ظاهرة لم تقتصر على فرش جديد، ومكيفات، وترميمات كبيرة، وأعمال صيانة وتحسين بل نقلات نوعية حرص على وجودها وجهود تستدعي منه أيامًا يقضيها في مكة، والأفلاج، والطائف، وجدة، وغيرها من المواقع، يتابع ويوجه، وربما عمل بيده أحيانًا، لأن المسألة عنده لم تكن منصبًا ولا مهمة عابرة، بل رسالة واحتساب.

وأذكر أنه في أكثر من موقف كان يصل من المطار إلى منطقة بعيدة، ثم يرفض إلا أن يقود السيارة بنفسه، ويتابع، ويشرف، ويقف على التفاصيل، ثم يعود ويسافر في يومه وليلته. رأيناه في مساجد بعيدة، في هجرة يبرين، والفرايد، وفي مواقع تبعد مئات الكيلومترات، يمضي إليها بلا كلل ولا ملل، كأن الراحة عنده أن يطمئن أن المسجد قد أُنجز، وأن المصلي سيجد مكانًا يليق بالصلاة، وأن الأمانة قد أديت كما ينبغي.

انتقل محمود الحماد إلى ربه وهو يعد المساجد لموسم الحج، وقد بذل ما بذل، وسعى ما سعى، وأعطى من وقته وجهده ما نرجو أن يجده عند الله مضاعفًا. رحل في وقتٍ كانت يده لا تزال ممتدة للعمل، وهمته لا تزال حاضرة في الميدان، وروحه لا تزال معلقة بما أحب: خدمة بيوت الله.

إن الفقد موجع، ولكن مما يخفف الوجع أن الإنسان إذا رحل وبقي أثره، لم يغب كله. ومحمود الحماد لم يكن عابرًا في ذاكرة مؤسسة، ولا اسمًا في سجل مشروع، بل كان رجل أثر، ورجل ميدان، ورجل وفاء. بقي في وجدان من عملوا معه، وفي دعوات من صلوا في مساجد خدمها، وفي كل سجدة تُرفع من مكان كان له فيه جهد أو متابعة أو عناية.

رحم الله محمود الحماد، وغفر له، ورفع درجته في المهديين، وأخلف على أهله ومحبيه ومرافقيه خيرًا، وجزاه عن المساجد والساجدين خير الجزاء.

ولعل من الوفاء له أن يبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة هذا العمل، وأن يحمل أحد مسارات خدمة المساجد أو مبادرات العناية بها لقبًا يليق به:

محمود الحماد.. بطل المساجد ورجل الأثر

فمثله لا يُنسى، ومثله لا يرحل أثره، ومثله إذا غاب جسده بقيت دعوات الساجدين ترفعه بإذن الله.

د. سالم بن علي آل خازم

3 ذو الحجة 1447


🔁 إن أفادك هذا المقال، أرسله لشخص يعمل في المجال الخيري — ربما يغيّر طريقة تفكيره.


#المساجد #القطاع_الخيري #القطاع_الثالث #ق3 #وفاة #سعادة #حادث

5:39 م

  1. الله يرحمه ويغفرله ويسكنه الفردوس الاعلى يارب العالمين

    ردحذف
  2. نعم الرجل أبا عبدالرحمن اللهم ارحمه وارفع درجته

    ردحذف

عدد المواضيع