تعبئة الوقود للرحلة الفائتة!
فتراهم يؤجلون الإجازة، والسفر، والمناسبات المختلفة، ويتغيبون عنها، بانتظار الوقت الذي تقل فيه ضغوط العمل - يوما ما - ويؤجلون الجلسات الماتعة مع الأصدقاء حتى تنتهي الالتزامات الحالية، ويؤجلون زيارة الوالد أو الوالدة أو الأعمام والأخوال أو المرضى من المعارف تحت حجة الانشغال المؤقت وأنه سيكون هناك متسع من الوقت في قادم الأيام .
ثم تمر سنوات العمر كلمح البصر، ويكتشف اولئك أن العمر مرّ، وأن الظروف تغيرت، وأن كثيراً من المتع فقدت جاذبيتها، وأن كثيراً من الأشخاص الذين كان يتم تأجيل اللقاء بهم قد رحلوا عن الحياة أو انشغلوا أو أقعدهم المرض، وأن الأبناء قد كبروا وغادروا المنزل.
حينها يدرك المرء -متأخراً - أنه تأخر كثيرا في الاستمتاع بما كان متاحا له "ماله ووقته وعمره.."
وهذا هو ما تناوله مؤلف كتاب "مت بصفر" :
إذ اشار إلى أن وجود الأرصدة المالية الضخمة بعد الوفاة تعني أن الإنسان بالغ في تأجيل الحياة، وأفرط في الادخار على حساب التجربة والمعنى.
وكأنه يسعى إلى فكرة مهمة وهي: ألا يؤجل الإنسان حياته حتى يخرج منها تاركًا خلفه عمرا لم يعشه، وأموالًا لم تحقق له ماجُمعت لأجله.
ويطرح تساؤلات ذات أهمية، مثل :
ما فائدة المال حين يأتي متأخرًا عن القدرة على الاستمتاع به؟
ما قيمة الثروة حينما يضعف البدن، وتقل الصحة، وتنقطع العلاقات، ويكبر الأبناء، ويتفرق الأصدقاء، وحين تصبح حركة البدن نفسها مرهقة، وتفقد الأشياء قدرتها القديمة على الإبهار، وتكون النفوس قد أنهكها الانتظار؟
فإذا بلغ المرء الستين او قاربها، فإن استئجاره لأفخم المنتجعات، وسفره إلى أغلى البلدان، قد لا يحقق له ما كان يتخيله يومًا ما من السعادة.
ذلك أنه لن يستطيع – غالبًا – الاستمتاع بتلك الأشياء بحماسة الثلاثينيات والأربعينيات، ولن يستطيع استعادة طفولة أبنائه الذين كبروا، كما انه لن يستعيد تلك السنوات التي كانوا ينتظرون فيها اللعب أو السفر أو الجلوس دون مقاطعات. والأمر نفسه بالنسبة لبقية الأهل والرفاق.
ربما تتحقق بعض الأمنيات في عمر متقدم، غير أنها تأتي متأخرة بلا طعم.
ولاشك أن لدينا قيماً مختلفة عن المؤلفين الغربيين، ومنطلقات شرعية نحتكم إليها، تجعلنا لا نقبل كلام أولئك على عواهنه، إذ ليس مطلوباً من أحدنا أن يقوم بإنفاق المزيد من المال دون حساب، فالمال مال الله، وقد نهانا عن تبذير الأموال، والإسراف، والبطر، والتفاخر.
كما أن من المهم أن يتوازن المرء في تعامله مع المال، فلا ينفق كل ما في الجيب بانتظار ما في الغيب، ولا يجعل يده مغلولة إلى عنقه، ولا يبسطها كل البسط، فيقعد ملوماً محسوراً، ولا يهدر حياته في الكدّ دون استمتاع.
كما أنه لا يجعل ماله كله مخصصاً لدنياه، فالآخرة خير وأبقى، والصدقة وفعل المعروف، وتفريج الكربات مما يلحق المرء بعد موته، ويعمّر بها آخرته.
كما أن الحاجة ماسة للتوزان في موضوع توريث الذرية، فلا يضيّع المرء كل أمواله وهو حيّ، ثم يدع ذريته فقراء يتكففون الناس، كما أنه لا يمسك امواله ويقتّر في إنفاقها بحجة أنها ستبقى لهم، ويفرط في تمكينهم ودعمهم في شبابهم، والإنفاق على جودة تعليمهم، وتوسيع مداركهم، ومهاراتهم، مع الاستمتاع المشترك معهم بالملاذّ والطيبات التي أباحها الله دون إسراف يطغى ولا تقتير يخنق بهجة اليوم.
إن إنفاق المال اليوم على صناعة الذكريات والتجارب الجميلة، في غاية الأهمية.
وهذا الإنفاق في حقيقته "استثمار"، لكنه استثمار عاطفي مهم مع النفس والأهل والرفاق.
وهذه الذكريات لا تُصنع دفعة واحدة في آخر العمر، ولا يتم تأجيلها لأي انشغالات يُزعم أنها مؤقتة، فالمؤقت يدوم غالباً.
وختاما: إن من المهم جدا، ألا ندع قطار العمر يفوتنا، ونحن ندّخر وقوداً لرحلة لن نركبها أبداً.
