لغة القالب

مرئيات "نملة"

تخيل معي أن نملة استيقظت ذات صباح، ومشت على الأرض قليلاً، ثم تكلمت، وأتيح لك أن تسمع كلامها، فإذا هي تتحدث عن البلد الذي تسكن فيه، وتعطي مرئياتها ووجهات نظرها بشأنه، وتعترض على الكثير من القضايا الإدارية والتنظيمية والتقنية، وترى أن عدداً من تلك التنظيمات والتشريعات خاطئة تستوجب التعديل.

وتتعجب وأنت تسمع هذه التصريحات النملاوية الواثقة جداً، والتي تزعم أنها وصلت إليها من خلال التفكير الواسع، والخروج من الإطار، والتمرد على التابوهات التي وضعتها المجتمعات.

وحين تنظر إلى حجم النملة الصغير جداً قياساً على حجم الدولة، وتنظر إلى حجم العقل الذي استندت إليه، ومقدار القوة التي تملكها النملة، وعمرها الزمني مقارنة بعمر البلد ذاته، فإنك لا تتمالك نفسك من الضحك، ولا ينقضي عجبك من هذه الثقة المفرطة في الرأي، وكيف لها أن ترى نفسها شيئاً عظيماً وهي أبعد ما تكون عن ذلك، بل إنك إن وصفتها بأنها صغيرة فإنك تكون قد بالغت في تضخيمها، فهي غاية في الصغر والضآلة وقلة الحيلة بحيث لا تُرى، فهل يستحق كلامها أن يستمع إليه أصلاً.

يقولون هذا عندنا غير جائز * ومن أنتمُ حتى يكون لكم عند

وقد ارتسمت في ذهني سالفة النملة حينما استيقظت من نومي في البريّة، حيث الصحراء الممتدة بلا نهاية، والجبال الشامخات العظيمة، فنظرت إليها وهي بهذه الضخامة والاتساع المهيبين، وكيف أن كل هذا الحجم الذي تراه عيني يعدّ جزءاً يسيراً ومحدوداً للغاية إذا قارناه بالكرة الأرضية برمتها، وتنوع بيئاتها، وعدد كائناتها، وظروفها، وأجوائها، وأنهارها، وبحارها، وعيونها، وأشجارها،  ثم نظرت في نفسي و في أمثالي من البشر، فرأيت أننا أقل من تلك النملة في ذلك البلد، نعم نحن أقل شأناً وحجماً واطلاعاً ، فما بال بعض بني جنسي من البشر المساكين ينتقد – بكل جهل - خالق هذا الكون العظيم، ويقدّم مقترحاته السخيفة التي استنتجها من حدود معرفته الضئيلة والمتناهية في الصغر والمحدودية، ومع ذلك يتجرأ ذلك الصغير ليتحدث عن الكون، وعن كيفية تسييره، وعن ما يفترض أن يكون أو لا يكون، وما يجوز أو لا يجوز، فتراه غير مقتنع ببعض الأحكام الشرعية، فيعترض على العليم الحكيم الخالق القادر، الذي صنع كل شيء بقدر، والذي خلق الكون فأبدعه، فــ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).

وهذا "الصغير" الذي يعترض على حكم الواحد الأحد، يعرف في قرارة نفسه أنه أقل وأصغر، وأنه علمه محدود جداً، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنه بعد مدة قصيرة سيغادر -بكل مقترحاته واعتراضاته- ليلقى الخالق، وحينها سيندم ولا ينفعه الندم.

ما أحوجنا إلى أن نعظم الله عزوجل في أنفسنا، وأنفس الناس، وأن نعتاد عل التسليم للعليم الحكيم، الذي خلقنا فأحسن خلقنا، وشرّع لنا فأحكم تشريعه، فهو يعلم السرائر، ويعلم طبيعة النفوس وما يصلح لها، وما ينفعها، وما يضرها، ولن كون هناك من هو أعلم من الخالق بخلقه.

 وأن ندرك أن الموضوع ليس اختياراً، بل هو حقيقة الإيمان ولازمه، ( وما مكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)،  فهو تسليم تام بطيب نفس وطمانينة (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما).

اللهم اجعلنا لك مؤمنين، مخبتين، مسلّمين، معظّمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

28  / 11 / 2025
- وادي رم - 

1:47 م

عدد المواضيع