تطوير أساليب المنح
وفقاً لطبيعة المجتمعات، والسلوك الإنساني، فإن كثيراً من المؤسسات المانحة تتبع سلوك المؤسسات التي سبقتها، حذو القذة بالقذة، باعتبار تلك الممارسات ناضجة، وتمت تجربتها لسنوات عديدة،
ولعل الناظر للجهات المانحة اليوم يجد أن صورة المنح لدى كل المؤسسات - إلا ما ندر- تتمثل في أن يتم فتح منصة إلكترونية للمنح، يتم التسجيل فيها من قبل الجمعيات الخيرية، مع متطلبات كثيرة غالباً، ويتم فتح التقديم عبر المنصة في أوقات محددة، ويكون غالب الدعم موجها للجمعيات فقط، وتتم دراسة المشروعات المرفوعة على المنصة من مشرفي المشاريع، والتوصية بالدعم أو الاعتذار، ثم توقيع اتفاقية أو نحوها، وتحويل المبلغ على دفعة أو دفعات، واستلام التقارير الختامية.
وهذا الأسلوب - كما ترى - اجتهاد بشري في تحقيق الأفضل والأيسر، بهدف تعظيم الأجر للواقف.
وهنا يأتي السؤال البريء: ألا توجد أساليب منح مختلفة تحقق هدف تعظيم الأجر للواقف، دون الحاجة إلى الدخول في هذا المسار؟
ولعلي من باب إثارة التفكير فحسب، أشير إلى مقترحات أخرى للمنح، يمكنها أن تكون منطلقاً لأفكار أكثر إبداعاً وتنوعاً وأثراً، فمنها على سبيل المثال:
1- المنح الميداني:
وهو يعني أن تتخذ قرارات المنح ليس وفقاً للملفات والأوراق المرسلة، بل مع النزول للميدان فعلياً، والوقوف على الاحتياج، وتبني المشروعات القائمة، واتخاذ قرار الدعم أثناء تلك الزيارة.
وهذا النوع من المنح - تحديداً - جدير بمزيد من الاهتمام والدراسة والتنظيم، لأنه يتم وفقاً للواقع الذي يتم الاطلاع عليه فعلياً، لا على ما يقال، ولأنك فيه تقابل القائمين على العمل، وتسمع منهم مباشرة بلا وسيط، وتعرف مستوى قدرتهم على تنفيذ المشروع، كما يمكنك أن تلمس الاحتياج بشكل أكبر لأنك تراه بنفسك، وتقف على المعاناة، ولأنه ليس كل مايعلم يمكن تقييده في الخطابات المرسلة لطلب الدعم.
كما تمكن الزيارة الهادفة للمنح من معرفة أن المشروع قد لايكون مناسباً للبيئة، أو أن فيه مبالغة في حجمه أو نوعه، كما يمكن أثناء زيارة المنح الميداني الاتفاق على المشروع البديل، والبدء فيه فعلياً.
ويمكن التفكير في إنشاء جهات متخصصة في زيارة الميدان، والوقوف على الاحتياج الفعلي، ويرافقهم في الزيارة أحد ممثلي الجهة المانحة ممن يملك حق اتخاذ قرار المنح أو من يفوض بذلك.
2- التبني الكلي أو الجزئي للجهات:
وهو أن يتبني المانح ويلتزم بكل مصروفات التشغيل لعدد من الجمعيات التي تتوافق مع مستهدفاته، وتحقق مؤشراته، وذلك لمدة يتم الاتفاق عليها ( 3 - 5 سنوات)، ويتضمن هذا الالتزام : تطوير الجمعية ورفع كفاءتها، واستقطاب الكوادر البشرية لها، وتبني عدد من مشاريعها الرئيسية، وعملها في تحقيق مستهدفات المانح وتقديم التقارير في ذلك.
3- التبني الكلي أو الجزئي للمشاريع:
حيث يقوم المانح بتصميم (مشروع محدد) وإنضاجه وتجويده واختباره، ثم إشعار الجمعيات ذات الصلة بهذا المشروع أن كل من يرغب في تطبيق هذا المشروع ضمن نطاق جمعيته فسوف يتم دعمه بمبلغ محدد سلفاً ( دعماً كلياً أو جزئياً).
ومثاله : أن يقوم المانح باعتماد نموذج لـ (تأهيل المقبلين على الزواج)، ويشعر كل جمعية زواج أو أسرة ترغب في تطبيقه على مستفيديها، بأنه سيتم دعمهم لكل مقعد تدريبي أو لكل دورة بمبلغ محدد.
ومثال ثانٍ: أن يعتمد المانح (برنامجاً توعوياً طبياً للأسر الفقيرة التي لديها مصاب بأحد الأمراض المزمنة)، ويتم إشعار الجمعيات بذلك، بحيث يتم تخصيص مبلغ منح محدد لكل من نفذ المشروع بناء على عدد المستفيدين، أو عدد البرامج التي تمت إقامتها.
4- المناقصات :
حيث يطرح المانح الفكرة أو الخدمة المطلوبة، والشريحة التي تستهدفها، ومحددات المشروع، ومناطق تنفيذه، والدور المطلوب من الجمعية، وتقوم الجمعيات بعد ذلك بالتقديم على المناقصة، مع تحديد التكلفة التي تراها مناسبة، ويقوم المانح بفحص العروض واعتماد المناسب منها، وفقاً لقوة الجهة، وفريق المشروع، وتكلفته.
5- منح البحث والابتكار :
حيث يخصص المانح موضوعات يرى أهمية بحثها ودراستها، أو يرى أهمية إيجاد الحلول المبتكرة لها، ويطلب من الجميع أن يتقدم للحصول على المنحة بعد تقييم كل الأفكار المقدّمة، واعتماد المناسب منها.
6- التبرع العيني :
وهنا يمكن للمانح تخصيص صنف من الأصناف التي يودّ توزيعها على أماكن الاحتياج، بحيث تستلم الجهات الأصناف أو يتم توصيلها إليها وفق معايير محددة سلفاً.
ومثاله : توزيع المصاحف - المكيفات- الفرش والسجاد - الكراسي - الأجهزة المنزلية- الأثاث - التمور- المياه - أجهزة التحلية المنزلية - السلال الغذائية - الحاسبات الآلية - الخيام - الحقائب المدرسية - هدايا المستفيدين أو القائمين على الخدمات -...)
كانت هذه بعض المقترحات في هذا السياق، وهي مجرد إطلاق للشرارة وإلا فإن لدى قيادات العمل المانح من الخبرات والتجارب والأفكار ما يثري الموضوع فعلياً، ويحقق المراد.
كما أنني أود التأكيد على أنني بهذا الطرح لا أقلل ولا أذمّ أسلوب المنح المبارك الذي يتم العمل به حالياً، فهو نموذج رائع، ومؤثر، وفاعل، وله بصماته التي لا تخفى في خدمة المجتمع، وتطوير العمل الخيري، طوال السنوات الماضية، لكنني هنا أتحدث عن التجديد والتطوير، وإعادة تقييم التجربة.
وأدعو أساتذتي، وزملائي المباركين إلى التنادي لتطوير أساليب المنح وطرائقه، وتقديم النماذج المتنوعة والثرية، فبلادنا المباركة كانت ولا زالت قدوة للعالمين، ونحن أهل لتصدير النماذج لا استيرادها.
دمتم بخير،
محمد بن سعد العوشن
الرياض - حرسها الله -
11 / 11/ 1447 هـ
