لغة القالب

المنظمة المتعلمة وخيارات المستقبل

في ظل تطور إداري كبير يجتاح المنظمات اليوم، وفي ظل منافسة شرسة، بين المنظمات المحلية والإقليمية والعالمية، ودخول الشركات متعدد الجنسيات في خضم المنافسة،  ظهر مفهوم "المنظمة المتعلمة" لضمان قدرة المنظمة على المنافسة والحصول على حصّة من السوق.

ويعتمد مفهوم المنظمة المتعلمة على  التوظيف الأمثل للمعرفة في أعمال المنظمة وعملياتها، بشكل يتيح للجميع الاستفادة منها، من خلال استحداث وجمع وتنظيم ونشر واستخدام واستغلال المعرفة بالشكل الأمثل، وتحويل تلك المعرفة من كونها معرفة فردية شخصية إلى معرفة جماعية تعاونية.

إن التعريفات المتداولة لـ (المنظمة المتعلمة)، تصب في مفهوم واحد رئيس يعتمد على التعلّم ونقل المعرفة، والتشجيع عليه لجميع أفراد المنظمة، بحيث يكون لكل فردٍ الحق في الكشف عن المشكلة أو تشخيصها، مما يحقق إبداعاً جماعياً، حيث يتوقّع أن تكون سرعة تعلّم المنظمة هي المصدر الوحيد لأي ميزة تنافسية، ذلك أن تواجد المنظمة في بيئات ديناميكية يستلزم وجود القدرة على التعلم بين العاملين فيها.

وتقوم المنظمة المتعلمة على قواعد مهمة، منها: التمكين الشخصي وتعميق الرؤية الشخصية للفرد، وشحن طاقاته، ومراجعة نماذج العمل وأدواته وأساليبه ومسلماته المتأصلة والراسخة بالكشف عنها وتمحيصها، بالإضافة إلى التعلم الجماعي، ووجود الرؤية المشتركة للمنظمة ككل، تلك الرؤية التي لاتفرض من القائد على بقية فريق العمل، بل تكون نتيجة للرؤى المشتركة، والتفاعل المستمر بين القائد وفريق عمله.

ومن خصائص المنظمة المتعلمة أنها تستفيد من قدرات ومهارات العاملين فيها، وتدرك قيمة التعلّم على المدى البعيد، حتى ولو كان لا يدر عوائد مباشرة على المنظمة، فهي  تعتبر العاملين فيها "أصولاً" فتستثمر فيهم، وتنمّيهم، وتعدّهم المصدر الرئيسي لتحقيق الأرباح لها.

وتمتاز المنظمة المتعلمة بوجود قادة واعية، تدرك أن الإجابة على كثير من الأسئلة الملحة موجود في داخل المنظمة لا خارجها، مجود لدى الموظفين حين يتم تفعيلهم وتحفيزهم، وأن وظيفة القائد تتمثل في كونه معلّماً أو مدرباً (كوتش) يقوم بإطلاق الطاقة الإبداعية في أرواحهم.

كما تمتاز تلك المنظمة بأنها تحول عملية التعلّم إلى أسلوب عمل، وتلتزم به في بث المعرفة وتنميتها، وتجعل ذلك في سياق مستمر، وليس أمراً ينفذ لمرة واحدة فحسب.

ويصبح هذا التعليم والتدريب النوعي المستمر أحد أهم الحوافز التي تدعو العاملين للبقاء في المنظمة وعدم مغادرتها، لأنها تجد نفسها، وتشارك في صناعة الواقع، وتجد أن لديها قوة دافعة على التعلّم المستمر، الذي ليس لمجرد التعلّم، بل تكون أغراضه واضحة جلية، مع حرص المنظمة المستمر على التساؤل عن العوائق والعقبات، للتفكير فيها وتذليلها، وتوفير كل الشروط الضرورية للحصول على المعرفة والتعلّم، والقيام بعمليات التقييم المستمر، وإشاعة ثقافة تنظيمية تشجّع على اكتساب المعرفة وتوزيعها وخزنها وتطبيقها.

غير أن ثمّة شروط لا بد منها للمنظمة المتعلمة، منها أن يكون الهيكل التنظيمي مرناً، يسمح بتدفق المعلومات البينية، دون الحاجة للعودة إلى المركز كل مرة، فالهياكل الأفقية أنسب من الهياكل العمودية في هذا السياق.

ومنها: الانتقال من الروتينية في المهمات إلى أدوار التمكين للعاملين، والعمل وفقاً لمفهوم (الدور) يوسع الصلاحيات، ويخرج الموظف من المهمة الضيقة والأسلوب المحدد إلى أفق أكثر اتساعا.

ومنها: التحول من أنظمة الرقابة الرسمية التي تأتي من الأعلى للأدنى، إلى المشاركة من الجميع في رسم الصورة المستهدفة ومتابعة تنفيذها على جميع المستويات.

ومنها: الانتقال من الثقافة المتصلّبة التي يتعامل معها كأصول غير قابلة للتغيير، إلى ثقافة متكيفة ومتجاوبة مع المعطيات الضخمة، والتحول كذلك من استراتيجية المنافسة إلى استراتيجية التعاون.

وأود الإشارة في ختام هذه المقالة إلى أن هناك الكثير من الدوافع التي تزيد من أهمية المنظمة المتعلمة، فمنها السعي نحو الجودة ، وتوفّر التقنيات الحديثة في مجالي الإعلام والاتصال، وانتشار العولمة والشركات متعددة الجنسيات، وذيوع العمل بالمعايير الدولية، ووجود التنافس الشرس محلياً وإقليمياً ودولياً، وتوجّه الحكومات اليوم بقوّة نحو الخصخصة، وتحسّن المستوى العلمي للكوادر البشرية، وحصول التغييرات المستمرة في كل اتجاه، مما يوجب التوجّه إلى بناء الذاكرة التنظيمية في المنظمة المتعلمة، تلك الذاكرة التي تسجل كل التجارب التي وقعت، التجارب الناجحة والفاشلة معاً، فتبني مستودعات للمعرفة، تحتوي على كل الملفات والأنظمة والتعليمات والقوانين والوثائق، مما ييسر تذكّر المعلومات والعثور عليها، مما يعزز قدرات الأفراد ومهاراتهم لتحقيق النتائج التي ينشدونها .

إن خيار (المنظمة المتعلمة) لم يعد ترفاً اليوم، بل بات عاملاً مهماً للبقاء في وسط حمّى التنافس العاصفة، ولذا فالمنظمات أحوج ما تكون إلى قادة أكفاء يتمثلون ذلك، ويسيرون وفقاً له.

وإذا كانت المنظمات الربحية بحاجة للتحول إلى منظمات متعلمة، فالمنظمات غير الربحية هي بحاجة ماسّة إلى العمل وفقاً لهذا المفهوم للمحافظة على الريادة، وتحقيق النجاحات المتتالية، وكسب ثقة المتبرعين، خصوصاً مع التوسع في افتتاح الجمعيات الخيرية، مما يعني المزيد من التنازع على الكعكة (الموارد المالية) لتحقيق أهداف كل جمعية، ومع التحفظ الموجود في حجم الإنفاق الناتج عن تخوفات من السيولة المالية، والناتجة كذلك عن تدني الحركة التجارية، مما يعني أن التنافس سيكون على أشده.

ومع التوجّه إلى سعودة الكثير من القطاعات، فلابد للجمعية الراغبة في المحافظة على موظفيها، وتوهجهم، وفاعليتهم، وولائهم، أن تكون بيئة جاذبة من حيث التطوير لموظفيها، وتحويلهم إلى خبراء في مجالات عمل المنظمة، وهذا لن يحصل بدون أن تعمل تلك المنظمة بمفهوم المنظمة المتعلمة، وتدفع المزيد من الأموال من أجل توظيف التقنية في حفظ وأرشفة المعلومات، ونقل الخبرات من الراس إلى قواعد بيانات متقنة وميسرة، مستفيدين من كل التقنيات الحديثة، والخدمات السحابية، والجوالات الذكية. 

وما أجدر القيادات للتداعي لتدوين الخبرات بشكل جدّي، وتوريث هذه المادة الثرية للمنظمة خصوصاً وللأجيال عموماً، فيصبح رحيل الأفراد اختياراً أو بدون اختيار غير مؤثر بشكل كبير على المنظمة.

وهي أفكار تحتاج إلى خطوات عملية، وممارسات ناجحة، تكون قدوة لبقية المنظمات، فقد جبل الناس على محاكاة بعضهم بعضاً.


تلخيص وعرض وتحرير
محمد بن سعد العوشن


____________________
المقال ملخّص من بحث بعنوان  (المنظمات المتعلمة توظيف للذكاء والمعارف) لـ (بلعلى نسيمة فريال) المنشور في مجلة الدراسات الاقتصادية، العدد رقم (1- 2014)


10:07 ص

عدد المواضيع