لغة القالب

كيف يعيش الإنسان حياة مليئة بالتجارب؟ | مترجم


جون جودارد، (John Goddard)، ولد في أمريكا عام 1925م، وهو مستكشف ومغامر، وكاتب. تخرج من جامعة شمال كاليفورنيا، عندما بلغ عامه الخامس عشر، كتب قائمة من 127 هدف يريد تحقيقها: كالطيران، والركض لمسافات طويلة، وتسلق الجبال، وزيارة الدول المختلفة، والآثار التاريخية حول العالم، والإبحار في الأنهار والبحار والمحيطات.

ومع مرور السنين حقق أكثر من 550 هدفًا.

كتاب "الناجي"

لا شك أن تحقيق تلك الأهداف، وخوض تلك المغامرات كان يثير سؤالاً لدى الناس: كيف نجوت من كل تلك المخاطر؟ فألف كتاباً بعنوان "الناجي" (The Survivor) وهو في الحقيقة كتاب في فلسفة الحياة وتحقيق الأهداف، قُدِّم في قالب قصصي مليء بالمغامرات الحقيقية، يحكي فيه جون جودارد قصص أكثر من عشرين موقفًا اقترب فيها من الموت أثناء استكشافه للأنهار والجبال والغابات والصحارى والبحار، فجاء هذا الكتاب ليحكي الجانب الذي لم يكن الناس يعرفونه: اللحظات التي كاد يموت فيها، وما تعلمه منها. 

لماذا وضع كل هذه الأهداف؟

في مقابلة متلفزة معه تحدث جون عن حياته، وسبب قراره الخاص بالأهداف، وعوامل النجاح التي جعلته كذلك، وهذه خلاصة ما قاله في تلك المقابلة: 

يقول جون : لقد كنت دائماً مفعماً بفكرة الحصول على جودة في الحياة، وعدم الرضا بمجرد وجود رتيب وممل، بل تحقيق أحلام الشباب وعدم الانتهاء بالندم كما يفعل الكثير من الناس قائلين: "لماذا لم أفعل المزيد عندما كنت شاباً؟". 

لم أكن أريد أبداً أن أتبنى هذا الموقف عندما أصل إلى منتصف العمر. وبفضل القراءة بشغف كوني محباً كبيراً للكتب، كلما قرأت أكثر، كلما أردت القيام بمهام أكثر. كنت أقرأ عن مختلف الأنهار والجبال والعجائب الطبيعية والأماكن التاريخية مثل مصر وعجائبها الأثرية العظيمة، ولم يكن ذلك كافياً بالنسبة لي، بل أردت رؤيتها بنفسي.

لذا، وشعوراً مني بأني سأنظم كل عام لتحقيق هذه الأحلام، أصبحت أضع قوائم أسبوعية وشهرية وسنوية بأشياء يجب القيام بها.

 وكان بعضها يتطلب الكثير من المال، لذلك عملت بجد أكبر لكسب المال وتحقيق هذه الأفكار والاستمرار حتى آخر يوم في حياتي.

لقد كان مجموع الأهداف التي كتبتها : 600 هدف، واستمتعت بتحقيق 550 منها، انطلاقاً من مبدأ أن هناك الكثير لرؤيته في الحياة والكثير للقيام به. 

 وما لم تكن لديك خطة والتنظيم الكافي، وتدير وقتك وأمورك المالية، فلن تفعلها أبداً، وإذا انتظرت فقط حدوث شيء ما، فلن يحدث، فأنت من يجعل الأشياء تحدث من خلال وضع قوائم بالأهداف، وتدوين الأشياء التي من شأنها أن تسعدك وتجعلك شخصاً أفضل، وربما تجعلك أكثر قدرة على المساهمة في شيء يتجاوز احتياجاتك الخاصة.

وقد نجح الأمر بشكل رائع بهذه الطريقة. لقد استكشفت بعض الأنهار الرئيسية في العالم بما في ذلك النيل، والكونغو، والأمازون، وحتى نهر كولورادو. استغرق مني الأمر ثلاثة أشهر للذهاب بطول نهر كولورادو من المصدر إلى المصب، ولكن كل نهر كان درساً في الانضباط ومتعة فائقة. ومن خلال القراءة المتعمقة حول كل موضوع كنت أستكشفه، حصلت على الكثير من الفائدة.

ويوجز "جون" أسرار تحقيق كل تلك الأهداف فيقول 

1- إدارة الوقت :

يقول لي بعض أصدقائي الأكثر انشغالاً إنهم لا يملكون الوقت لتحقيق أهداف تتجاوز كسب العيش ودفع الفواتير وتربية الأطفال. وأنا أقول: كل واحد منا لديه 168 ساعة في الأسبوع، وإذا فصلنا استخدام كل ساعة من تلك الـ 168 ساعة، فسنجد حتماً 30 أو 40 ساعة يمكننا فيها تحقيق أهدافنا وإضافة بعد آخر للحياة، وذلك بتحويل الخيالات المجرّدة إلى واقع من خلال تدوين كل هدف وتخيل نفسك وأنت تحققه.

2- القراءة المكثفة. 

عندما كنت في الصف الخامس، كانت لدي معلمة رائعة هي السيدة كينان. وعندما علمت أنني أريد أن أكون استكشافياً، قالت لي: "حسناً، يجب أن يكون لدى المستكشفين اختصاص، يجب أن يعرفوا الكثير عن أشياء كثيرة، لماذا لا تذهب إلى المكتبة؟". 

ذهبت إلى المكتبة واخترت بعض كتب الأطفال عن الطبيعة والحياة البرية، وكان ذلك بداية العادة التي ما زلت أمارسها حتى هذا اليوم، وهي الذهاب والقيام "بمغامرة مكتبية"؛ حيث أدخل إلى قسم في المكتبة لا أعرفه جيداً، وأختار كتاباً وأبدأ في قراءته، هذا يغذي حبي للتنوع، سواء كان في الطعام أو الخبرات أو الناس. 

لقد بدأت القراءة بشغف منذ أن كنت في سن العاشرة وحتى يومنا هذا. كنت مستيقظاً حتى الساعة الثالثة صباح اليوم أقرأ كتاباً مثيراً عن علم الفلك. 

ومن خلال الاستيقاظ كل يوم بشعور من الحماس: "ماذا سيجلب هذا اليوم؟ ما هي التجارب الجديدة التي يمكنني خوضها؟ ما هي الكتب الجديدة التي يمكنني اكتشافها؟" وعندما تقرأ، فإنك تحفز دماغك لأنك تخلق صوراً ورسوماً يفشل التلفزيون في تقديمها.

عندما أرى الأطفال يشاهدون التلفزيون لمدة ست ساعات في عطلة نهاية الأسبوع أو يوم السبت، وربما من ساعتين إلى أربع ساعات في أيام الأسبوع، أفكر: "يا له من هدر!" وفي كثير من الأحيان يشاهدون أشياء كان ينبغي عليهم الخروج والقيام بها بأنفسهم، والحصول على المزيد منها، والاستمتاع بتحفيز العقل والجسم حتى ينموا قليلاً كل يوم.

كنا نتحدث عن الحلوى، وأنا أرى الناس يدخلون إلى متجر آيس كريم يقدم 31 نكهة مختلفة ويطلبون نكهة الفانيليا! هذا يضحكني دائماً، فأقول: "ولكن هناك 31 نكهة مختلفة، لماذا تختار الفانيليا؟ هل جربت السبيزموني، أو الفستق، أو جوز البيسبول، أو الفادج براوني؟" فيجيبون: "لا، أنا أحب الفانيليا". أقول: "ولكن كيف تعرف أنك لن تحب واحدة من هذه الأشياء اللذيذة الأخرى؟" فيردون: "أنا راضٍ بالفانيليا".

أنا أسمي ذلك "متلازمة الفانيليا"، حيث يمر الناس بالحياة مقتنعين بوجود "فانيليّا" لا يحدث فيه الكثير، مع القليل من التغيير، ويكونون راضين بكونهم مجرد أعضاء في القطيع وأشخاص عاديين. هذا ليس جيداً بما فيه الكفاية، ولا ينبغي أن يكون جيداً لأي شخص.

3- الوالدان: 

يعود الفضل كثيراً إلى والديّ الرائعين اللذين آمنا بي. أستطيع أن أتخيل ما كان يدور في أذهانهما وأنا أكبر وهما يقولان: "كيف أنجبنا هذا الطفل الصغير الغريب الذي يلتقط الأفاعي المجلجلة، ويصادق السناجب الأرضية، ويحب الطبيعة، ويذهب إلى الشاطئ ليركب أمواج العواصف العاتية؟ نحن عائلة تقليدية جداً!" ولكنهم جعلوني أشعر أن ذلك لا بأس به، ولم يجعلوني أشعر أبداً بأنني طفل غريب أو طائش أو شيء يجب كتمه وإعادة توجيهه بطريقة أكثر تقليدية.

وكما ذكرت لك، إنها إرث رائع من الوالدين أن يعطوا الإذن لأطفالهم ليكونوا كما جُذبوا إليه، وأن يتركوهم ينمون وفقاً لإيقاعهم الخاص، ويكبروا وهم يمارسون الترفيه والتألق دون أن يصبحوا مجرد نسخة من الأب أو الأم في كل شيء، بل أن يكونوا أفراداً يقومون بأشياء مثيرة ومجدية وتنمّي شخصياتهم.


اقتباسات "

كل إنسان يملك 168 ساعة في الأسبوع. والفرق بين الناس ليس في الوقت. بل في كيفية استخدامه.

الأحلام غير المكتوبة تبقى أمنيات. أما الأهداف المكتوبة فتتحول إلى برامج عمل.

كثير من الناس يعيشون حياة تشبه الفانيليا... آمنة... ومتوقعة... ولا جديد فيها، أما الحياة الحقيقية فهي تجربة واكتشاف وتعلم دائم.

ختاماً:

توفي جون في 17 مايو 2013 عن عمر يناهز الـ (88 سنة) ، وقد حقق الكثير من أهدافه، وعاش حياة دنيوية استثنائية، غير أنه فرّط فيما هو أهم، في "الحياة الآخرة" والعمل لها، والاستعداد لها، والإيمان بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، وهي التي من نالها فقد فاز، وهو السعيد حقاً، وإن كان في حياته الدنيوية مصنفاً ضمن البائسين.


اللهم اجعلنا مباركين، ومؤثرين، وفاعلين، ولك مطيعين مخبتين، وأسعدنا في الدارين يارب العالمين.

دمتم بخير،،،


تم اختيار وتنسيق ومتابعة ترجمة المادة من :

محمد بن سعد العوشن
الرياض - حرسها الله - 
19 صفر 1448 هـ

11:50 ص

عدد المواضيع