لغة القالب

مع المتحاضّين!

لفت نظري وأنا أقرأ قول الله تعالى (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أن الآية تحدثت عن تجريم الامتناع عن الحضّ ذاته.

ثم تتبعت الآيات في هذا السياق فإذا هي ثلاثة مواضع :
قوله تعالى ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * ولا يحضّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. 

وقوله تعالى: ﴿ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.

واللافت في هذه الآيات الثلاث أن الذم والتقريع لم يتوجها إلى الامتناع عن "إطعام" المسكين، بل إلى الامتناع عن "حضّ" الآخرين على إطعامه!

ولن أتحدث هنا عن فضل إطعام الطعام فالنصوص فيه متوافرة من الكتاب والسنة حثاً عليه، وترغيباً فيه، وتقديماً له، وتحذيراً من تركه كما في حديث انس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "ما آمن بي من بات شبعانَ و جارُه جائعٌ إلى جنبِه و هو يعلم به".

لكنني هنا أتناول أمر "الحض" لا الإطعام.
والحضّ في اللغة : الحث والتحريض على الشيء.

ولعل الآيات جاءت في ذم هذا الصنيع لأن القدرة على الإطعام متفاوتة بين الناس؛ فمنهم من يقدر ومنهم من لا يقدر، لذا جاء اللوم في الآيات موجها لترك الفعل الذي لا يعجز عنه أحد، وهو "الحضّ" فبابه أوسع، ويستطيعه كل الناس بكلمة، أو دلالة، أو تشجيع.

قال القرطبي في معنى الآية: «لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا».

وكأن مسؤولية الواحد منا عن الخير لا تقف عند حدود ما يستطيع أن يفعله بنفسه وماله، بل تمتد لتشمل ما يستطيع أن يدعو إليه، ويشجع غيره عليه، ويكون سببًا في وقوعه.

جعلنا الله جميعًا من المتواصين بالخير، الحاضين عليه، المبادرين إليه.


دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن 

30 صفر 1448

الرياض حرسها الله


9:08 ص

  1. أول مرة افطن لمعنى تحاضّون، مع أن هذه الآيات نمر علينا كثيراً ونفهم معناها في عقلنا الباطن، ولم تصل إلى عقلنا الواعي، مع أن فيها مد وتشديد في التجويد. نسأل الله أن يجعلنا ممن يقرؤون القرآن ويعملون به

    ردحذف

عدد المواضيع