لغة القالب

لسنا منتجات مصنع!

 

حين تتأمل في مخلوقات الله - كالفواكه مثلًا- تجد تنوعًا عجيبًا، فلكل واحدة منها لونها، وطعمها، ورائحتها، وقشرتها، وبذورها، وطريقتها في النمو.

ولا يخطر ببال أحد أن يقول: مشكلة العنب أنه صغير! أو مشكلة التفاح أنه مستدير!

تلك ليست مشكلات أصلًا؛ فهذه طبيعتها.

ولو أننا أردنا من كل الفواكه أن تكون بحجم واحد، ولون واحد، وطعم واحد، وقشرة واحدة، لما بقي من هذا التنوع الجميل شيء.

والبشر جزء من هذا الكون الكبير، وبالتنوع ذاته؛ فمنهم الطويل والقصير، والأسمر والأبيض، والنحيل والممتلئ، ومنهم ذو الشعر الناعم وذو الشعر الأجعد ومن لا شعر له. وتختلف طبائعهم كما تختلف أشكالهم؛ فهذا اجتماعي يجد متعته بين الناس، وذاك يحب الخلوة. وهذا كثير الكلام، وذاك قليل الكلام. وهذا سريع، وذاك متأنٍ.

وهم في العمل والإنتاجية على تباين طبيعي كبير؛ فهناك من يكون في أفضل حالاته أول الصباح، وهناك من يصفو ذهنه في المساء. شخص يحتاج إلى القيلولة، وآخر لا يحبها. شخص ينجز بقائمة دقيقة ومواعيد محددة، وآخر يعمل بطريقة أكثر مرونة، ومع ذلك ينجز عملًا جيدًا في وقته.

غير أننا نقع -أحيانًا- في وهم أن على الجميع أن يعملوا بالطريقة نفسها، أو بالخطوات ذاتها، وربما كان ذلك من آثار تسلل «عقلية المصنع» إلينا.

تلك العقلية التي تفترض دائمًا أن المنتج الجيد هو المنتج المطابق للمواصفات، المشابه لمخرجات خط الإنتاج، وأن الاختلاف بين المنتجات "عيب" ينبغي إصلاحه.

لقد نقلنا هذه الفكرة -من حيث لا نشعر- من الأشياء المصنّعة إلى البشر، فصرنا نبحث عن الطريقة المثالية للنوم، والوقت المثالي للاستيقاظ، والنظام المثالي للعمل، وأداة الإنتاجية المثالية، ثم جعلناها مقياسًا لكفاءة الآخرين.

والحقيقة أن الأسئلة الأهم في نظري يجب أن تتوجه للكشف عن النتائج لا الأساليب..

هل طريقتك تعمل وتحقق النتائج؟

هل تنجز ما ينبغي عليك إنجازه؟ هل تفي بالتزاماتك؟

إن كان الجواب نعم، فربما لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة من أحد.

وإن كان ثمة خلل في النتائج، فحينها يمكن الحديث عن مراجعة الطريقة، والأسلوب، والتعلم من تجارب الآخرين، والسعي لمحاولة تجرّبة طرق أخرى.

إنمنا بحاجة إلى الكف عن النظر إلى الاختلاف بوصفه نقصًا يحتاج إلى إصلاح، فالتنوع من سمات هذا الكون البديع.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد ال عوشن

الرياض -حرسها الله من كل سوء-

3 جمادى الأولى 1448

9:32 م

عدد المواضيع